نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥ - الشرح والتفسير قصّة الضحاك بن قيس
مقرها وفي وقت العصر تعود إلى مكانها الأوّل، وهذا تعبير لطيف عن ظاهرة غروب الشمس.
ثمّ يواصل الإمام عليه السلام كلامه عن هذه الواقعة ويقول:
«فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلَا وَلَا، فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً [١] بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالُمخَنَّقِ [٢]، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ
الرَّمَقِ، فَلَأياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا».
والجدير بالذكر أننا أشرنا إلى هذه الواقعة ذيل الخطبة ٣٩، وهذه الرسالة متناغمة مع مضامين تلك الخطبة.
وعبارة
«كَلَا وَلَا»
تعني أنّ هذا العمل تمّ انجازه بسرعة وانسجام تام كما في لفظة «لا ولا»، وفي بعض عبارات العرب يقال: «لا وذا»، وكليهما إشارة إلى المدّة القصيرة من الزمان، كما يقال في المثل: «كلمح البصر».
وعبارة
«بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالُمخَنَّقِ»
، والمخنق تعني ما يشير إلى الرقبة والحنجرة التي تتعرض للخنق بضغط يسير، وهو إشارة أنّ جيش الإمام عليه السلام أوصلوا الضحاك وجيشه إلى حدّ الموت بحيث لم يبق منهم سوى رمق ضئيل، وهذه العبارة متداولة في اللغة العربية وفي اللغات الاخرى فعندما يواجه الشخص على رقبته ضغوطاً شديدة يقال إنّه بلغ به الخناق، أو ضيق عليه الخناق.
واللافت أنّ إبراهيم الثقفي ينقل في كتابه «الغارات» واقعة معينة تتضمن تفسيراً وشرحاً لعبارة الإمام عليه السلام في قوله:
«وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ الرَّمَقِ»،
ويقول: عندما هرب الضحاك من «حجر بن عدي» قائد جيش الإمام علي عليه السلام شعر بالعطش الشديد، لأنّه أضل إبله التي تحمل الماء، وعرضت عليه سِنة من النوم في ذلك الوقت، وبذلك انحراف عن الطريق، وعندما انتبه من نومه لم يجد من جيشه سوى عدّة نفر ولم
[١]. «جَرِيض» هو شخص المختنق من شدّة الحزن أو الهيجان.
[٢]. «الُمخَنَّق» هو محل الخنق، من مادة «خنق» على وزن «حرب» وهو الضغط على المخنق أو ضغط رقبة الشخص.