نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - الشرح والتفسير التوصية الاولى التقوى وجهاد النفس
الأخذ بنظر الحسبان أنّ مصر بلد زارعي وأنّ أهالي مصر يولون اهتماماً كبيراً بمسألة الزراعة، فكأنّ الإمام عليه السلام لم يجد حاجة لذكرها واقتصر على الإشارة إلى المشاكل الصناعية والتجارية، ولكن عندما يتحدّث عن أخذ الخراج يأمر مالك الأشتر بأن يقوم، في ذات الوقت الذي يأخذ الخراج، بمراقبة عمليّة الأعمار واستصلاح الأراضي واجتناب التشدد مع الزرّاع بما يتسبب في قلّة المحاصيل الزراعية.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يواصل استعراضه لهذه الأصول الأخلاقيّة الأربعة مخاطباً مالك الأشتر، والتي تشكل في الحقيقة الأركان الأصليّة المعنويّة للحكومة.
بداية يقول:
«أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ».
إنّ خطب الإمام عليه السلام ورسائله وكلماته القصار في نهج البلاغة زاخرة بأمر التوصية بالتقوى، التي تمثل رأس مال سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، فالتقوى تعني الاحساس بالمسؤوليّة الباطنيّة واجتناب كلّ أشكال الإثم والذنب والتعدي والإجحاف، وبعبارة أخرى أنّ التقوى تمثّل حالة معنويّة كابحة، تتولى حفظ مسيرة الإنسان في طريق الحقّ وتضمن عدم انحرافه عن الصراط المستقيم، ومعلوم أنّ مسؤوليّة الإنسان كلّما إزدادت وثقلت فإنّها تستدعي حالة أعمق وأقوى من التقوى.
وفي التوصية الثانية يقول الإمام عليه السلام:
«وَإِيْثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ:
مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتِي لَايَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا، وَلَايَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا».
«الفرائض» و «السنن» تعني عادة الواجبات والمستحبات، وقيل: إنّ «الفرائض» هي الواجبات الواردة في كتاب اللَّه، و «السنن» هي الأحكام والواجبات الورادة في السنّة الشريفة وكلام النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وفي هذه الصورة تكون جملة:
«مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ ..»
شاملة للأمر بإطاعة النّبي في بيان الأحكام الإلهيّة أيضاً، فيحتمل في معنى هاتين المفردتين أنّ «الفرائض» إشارة إلى الواجبات المهمّة، و «السنن» إشارة إلى الواجبات التي تأتي بالدرجة الثانية بعدها.