نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٧ - الشرح والتفسير توصية الإمام عليه السلام المؤكدة حول قاتله!
«أَنْتَ أَشقَى خَلقِ اللَّهِ وَقَدْ قَتَلْتَ نَفسَكَ بِسَيفِكَ» [١].
ثمّ يوصي الإمام عليه السلام بوصيّته الثالثة والأخيرة ويقول:
«وَلَا تُمَثِّلُوا [٢] بِالرَّجُلِ، فَإِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ» [٣]».
إنّ المثلة بوصفها حالة إنتقامية وغير إنسانيّة كانت متداولة في عصر الجاهليّة، ولذلك قام العرب المشركون في معركة احد بقتل حمزة سيّد الشهداء وعمّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث لم يكتف العدو بقتله بل شّق صدره بوحشيّة وقساوة فظيعة وأُخرج كبده أو قلبه وقطع اذنه وأنفه، وعندما شاهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله شهادة عمّه حمزة بن عبدالمطلب، تألم لذلك كثيراً وقال:
«اللّهمّ لَكَ الحَمدُ وَإليكَ المُستَعانُ عَلى ما أرى» ثمّ
قال:
«لَئِن ظَفرتُ لأَمُثلِنّ وَلأمَثِلَنّ وَلأمَثِلَنّ»
وعلى رواية أخرى أنّه قال:
«لأمَثِلَنّ بِسَبعِينَ مِنهُم»
فنزلت الآية: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرينَ» [٤]، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«أصبرُ أصبرُ» [٥]
(يعني ولا أنتقم).
ونعلم جيداً أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بعد فتح مكّة كان يملك القدرة الكاملة على الانتقام من أعدائه والمجرمين بأشدّ أنواع الانتقام ولكنّه آثر العفو والصفح عنهم، أضف إلى ذلك ما ورد في حديث عن أحد الصحابة أنّه قال:
«مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله خُطْبَةً أَبَداً إِلَّا أَمَرَنَا فِيهَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَة» [٦].
[١]. تاريخ الطبري، ج ٤، ص ١١١؛ الكامل، لابن الأثير، ج ٣، ص ٣٩٠.
[٢]. «تمثّلوا» من مادة «مثل» على وزن «أصل» بمعنى قطع وفصل أعضاء البدن في العقوبة.
[٣]. «عقور» بمعنى المتوحش والهاري، وهي صيغة مبالغة من مادة «عقر» على وزن «عقد» بمعنى إصابته بجرح، وهذه المفردة تستخدم غالباً في الكلاب، ولكن أحياناً تطلق على حيوانات أخرى.
[٤]. سورة النحل، الآية ١٢٦.
[٥]. التفسير الأمثل، ذيل الآية ١٢٦ من سورة النحل، نقلًا عن تفسير العياشي والدر المنثور والميزان.
[٦]. بحار الأنوار، ج ١٠١، ص ٢١٦، ح ٤.