نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٤ - الشرح والتفسير لست كالبهيمة المربوطة!
ثمّ يتابع الإمام عليه السلام كلامه من موقع التأكيد على شجاعته:
«وَاللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا».
ولم يسمع بمثل هذا الكلام من أي شخص قبل ذلك، ومعلوم أنّ الإمام علي عليه السلام لا يتحدّث بذلك من موقع المبالغة بل إنّ ما يقوله هو عين الواقع، وقد أثبت هذه الحقيقة في ميادين الجهاد والقتال ضد قوى الشرك والباطل، فمن معركة بدر إلى احد والخندق والغزوات الأخرى كان علي بن أبي طالب عليه السلام هو الشخص الذي لم يدر ظهره للأعداء ولم يتردد أو يرتعب من كثرة الأعداء وتظافرهم عليه، إلى درجة أنّه لقّب بكونه
«كرّار غير فرّار»
. وقد ورد عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله هذا التعبير في قصّة فتح خيبر بعد أن توجه الآخرون لفتح قلاع خيبر ولم يفلحوا في ذلك، فقال النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَرَّارٌ غَيْرُ فَرَّارٍ لَايَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ» [١].
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام وفي النقطة الرابعة والأخيرة من هذا المقطع من الرسالة يقول:
«وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا. وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ، وَالْجِسْمِ الْمَرْكُوسِ [٢]، حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ [٣] مِنْ بَيْنِ حَبِ
الْحَصِيدِ [٤]».
وجملة
«أُطَهِّرَ الْأَرْضَ»
إشارة جلية إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ وجود أمثال معاوية على سطح الأرض من شأنه تلويثها، وما لم يتمّ إزالة هذا التلوث عن الإرض والحياة فإنّها لا تتطهر.
والتعبير ب
«الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ»
إشارة إلى أنّ أفكار معاوية مقلوبة، فهو يرى
[١]. بحار الأنوار، ج ٣١، ص ٢٥٩؛ تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ٥٦.
[٢]. «المركوس» أي المنقلب، من مادة «ركس» على وزن «عكس» أي انقلاب الشيء ظهر على عقب، أو وضعالشيء برأسه على الأرض.
[٣]. «المدرة» قطعة الطين الجاف.
[٤]. «الحصيد» بمعنى النبات المحصود من مادة الحصاد.