نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٠ - الشرح والتفسير دعوة الوالي إلى مأدبة فاخرة!
للطعام، وهذا التعبير يشير إلى أنّ المجلس المذكور كان مجلساً ضخماً وقد دعيت إليه جماعة من الأشراف وجيىء إلى المائدة بأنواع الأطعمة اللذيذة.
ثمّ يضيف الإمام عليه السلام:
«وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ، عَائِلُهُمْ [١] مَجْفُوٌّ [٢]،
وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ».
هنا نرى أنّ الإمام عليه السلام يؤكّد أنّ العيب الكبير في هذه المأدُبة أنّها منحصرة بالأغنياء فقط، فلو أنّ تلك الأطعمة المتنوعة واللذيذة كانت تشمل الجياع والمحرومين ليأكلوا منها فليست في ذلك مشكلة كبيرة، ومن هذه الجهة فإنّ هذه المائدة كانت مليئة بشتى أنواع الأطعمة اللذيذة والمأكولات المتنوعة، ومن جهة أخرى أنّ الأثرياء فقط هم المدعون لهذه المائدة دون المحرومين، ولو أضفنا إلى ذلك دعوة عثمان بن حنيف إلى هذه المائدة فسيتضاعف الإشكال.
ونستوحي من سياق هذه الرسالة أنّ الإمام عليه السلام يطرح إشكالًا رابعاً في دعوة واليه إليها ويتمثّل في وجود أموال مشتبه في هذه المأدبة، لأنّ الإمام عليه السلام يضيف إلى ذلك قوله:
«فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ [٣] مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ [٤]،
وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ».
والنقطة الملفتة للنظر، أنّ الإمام عليه السلام كان يهتم بمراقبة عمّاله وولاته بشكل دقيق وينظر إلى حركاتهم وسلوكياتهم، لئلا ينحرف الوالي أدنى انحراف وأن لا توجد فيه أيّة نقطة ضعف حتى المشاركة في ضيافة غير مناسبة له، بحيث إنّ الإمام عليه السلام يرسل له رسالة مطولة وزاخرة بالنصائح المختلفة ويحذّره من مغبة مثل هذه السلوكيات الخاطئة، وربّما لانجد فيالعالم أجمع مثل هذا التوجيه الدقيق والضبط في إدارة الأمور.
[١]. «عائل» بمعنى من له عيال محتاجين إليه.
[٢]. «مجفوّ» بمعنى المحروم والشخص الذي لم يعطى حقّه.
[٣]. «تقضمه» من مادة «قضم» على وزن «فهم» بمعنى مغض الطعام في الفم، وأحياناً تأتي بمعنى الأكل، و «مقضم» يطلق على الطعام في الفم.
[٤]. «فالفظه» من مادة «لفظ» بمعنى اخراج الطعام من الفم، ويقال للألفاظ لأنّها تخرج من الفم.