نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠١ - من هو ابن عباس؟
غموضها، حيث قال: «قد أشكل عليَّ أمر هذا الكتاب، فإنّ أنا كذّبت النقل وقلتُ:
هذا الكلام موضوع على أميرالمؤمنين عليه السلام، خالفت الرواة، فإنّهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه، وقد ذكر في أكثر كتب السيرة: إنّ صرفته إلى عبداللَّه بن عباس صدني عنه ما أعلمه من ملازمته إطاعة أميرالمؤمنين عليه السلام في حياته وبعد وفاته، وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى مَن أصرفه من أهل أميرالمؤمنين عليه السلام، والكلام يشعر بأنّ الرجل المخاطب من أهله وبني عمّه، فأنا في هذا الموضع من المتوفقين» [١].
ولكن الطائفة الاولى لم تقبل بهذا الكلام وذهبوا إلى أنّ المخاطب لهذه الرسالة للإمام عليه السلام هو ابن عباس مع حفظ جلالة قدره ومقامه.
ومن جملة هؤلاء «ابن ميثم» يقول في شرحه لنهج البلاغة: «وإعلم أنّ هذين القولين لا مستند لهما، أمّا الأوّل: فهو مجرّد استبعاد أن يفعل ابن عباس ما نسب إليه، ومعلوم أنّ ابن عباس لم يكن معصوماً وعلي عليه السلام لم يكن يراقب في الحقّ أحداً ولو كان أعزّ أولاده كما تمثّل بالحسن والحسين عليهما السلام في ذلك، فكيف بابن عمّه، بل يجب أن تكون الغلظة في الأقرباء في هذا الأمر أشدّ.
ثمّ إنّ غلظته عليه وعتابه له لا يوجب مفارقته إيّاه، لأنّه عليه السلام كان إذا فعل أحد من أصحابه ما يستحق به المؤاخذة أخذه به سواء كان عزيزاً أو ذليلًا قريباً منه أو بعيداً، فإذا استوفى حقّ اللَّه منه أو تاب إليه ممّا فعل عاد في حقّه إلى ما كان عليه كما قال: «القوي عندي ذليل حتى آخذ الحقّ منه والذليل عندي عزيز حتى آخذ الحقّ له»، فلا يلزم إذن غلظته على ابن عباس ومقابلته إيّاه بما يكره مفارقة له وشقاقه على ما بينهما من المحبّة الوكيدة والقرابة.
وأمّا الثاني: فإنّ عبيداللَّه كان عاملًا له عليه السلام في اليمن ولم ينقل عنه مثل ذلك» [٢].
أمّا من ذهب إلى القول الثاني فإنّه يرى أنّ عظمة مقام ابن عباس لا ينسجم أبداً
[١]. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٦، ص ١٧٢.
[٢]. شرح نهج البلاغة، لابن ميثم، ج ٥، ص ٩٠.