نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٤ - الشرح والتفسير المصريون الذين غضبوا للَّه
ولا ننسى أنّ عبد بن أبي سرح كان من جملة كتّاب الوحي في بداية الأمر ولكن بسبب خيانته فقد سخط عليه النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله ونزلت آية من القرآن في ذمّه، فكان أن ارتد عن الإسلام والتحق بالمشركين وأخذ يتآمر ضد الإسلام، وعندما فتح المسلمون مكّة كان هذا الرجل أحد الأفراد المعدودين الذي أمر النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بقتلهم، ولكن بما أنّ عبداللَّه أخو عثمان من الرضاعة فقد أخفاه عثمان في داره، ثمّ جاء به إلى النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله وطلب منه الأمان له، فأعرض النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بوجهه عنه وكرر عثمان طلبه هذا ثلاث مرات، وأخيراً وافق النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله على طلبه، وعندما غادر عثمان ومعه عبداللَّه من عند النّبي قال النّبي صلى الله عليه و آله لمن حوله من أصحابه:
«لَقَد صَمَتُّ لَيَقُومَ إِلَيهِ بَعضُكُم فَيَضرِبَ عُنُقُ»
، فقام رجل من الأنصار وقال:
«فَهلّاً أَومَأتَ إِلَيَّ يارَسُولاللَّه»
، فقال النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«إنّ النّبِيَّ لايَقتُل بِالإشارة» [١].
وعلى أيّة حال فإنّ أهل مصر ثاروا ضد هذا الرجل الخائن، ولكنّه صمد لهم وتمسك بمنصبه بقوّة، ومن هنا تحركت جماعة من ألفي رجل من مصر باتجاه المدينة يطالبون عثمان بعزله، ولكنّ عثمان، ليس فقط لم يعزل هذا الوالي بل كتب إليه كتاباً وأرسله مع غلامه يتحدّث فيه عن لزوم معاقبة رؤوس المعترضين ويوصيه باعدامهم أمام الملأ ويعاقب البعض الآخر بشدّة ليكونوا عبرة للآخرين، فاكتشف الثوّار المصريون هذه الرسالة وارتفعت أصوات اعتراضهم ضد عثمان وقالوا: يجب علينا العودة إلى المدينة لعزل عثمان من سدّة الخلافة.
وفي ذلك الوقت كانت جماعات كثيرة قد أقبلت من الكوفة والبصرة وكانوا يحملون معهم اعتراضات وشكاوى مماثلة، أضف إلى ذلك أنّ الكثير من المهاجرين والأنصار كان يرون أنّ عثمان، وبسبب أعماله السلبية، غير جديرة بخلافة المسلمين وينبغي عزله، ولكنّ عثمان ثبت في موقعه وأصرّ على البقاء في الخلافة وفي هذا المقام، وتسبب ذلك بسيادة الغضب وسخط الثائرين عليه وأخيراً
[١]. انظر: سيرة ابن هشام، والاستيعاب، ابن عبدالبر.