نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٧ - الشرح والتفسير إحيي السنن الحسنة
والمعنوي للمحسنين ينتبه إلى خطئه ويثوب إلى رشده وربّما يتوب من عمله ويرتدع عن سلوكه.
ويتابع الإمام عليه السلام كلامه في بيان التوصية الثانية ويبيّن أفضل وسيلة لجلب حسن الظّن تجاه الوالي وكسب محبّة الرعايا له ويقول:
«وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ».
والتعبير ب
«مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ»
مع الالتفات إلى أنّ «قِبَل» تأتي أحياناً بمعنى «عند» وأحياناً أخرى بمعنى «القدرة»، يمكن أن يكون معنى الجملة: الشيء الذي ليس عندهم (وليس في عهدتهم) أو الشيء الذي لا يقدرون عليه ولا يطيقونه [١].
وهذه الحقيقة قد أثبتتها التجارب الكثيرة، فالوالي إذا كان يفكر بأمر الرعيّة، وتحرك المسؤولون للتخفيف عن الضرائب التي تثقل كاهلهم ولم يحمّلوهم ما ليس في طاقتهم من الوظائف والتكاليف، فإنّ ذلك من شأنه تقوية الرابطة العاطفيّة وتوثيق العلاقة بينهم وبين الحكومة، هذه العلاقة الحميمة يمكنها أن تلعب دوراً فاعلًا في حلّ الأزمات والمشاكل المعقدة.
وهنا نقطة مهمّة أيضاً، وهي أنّ الإمام عليه السلام يتحدّث عن عوامل حسن الظن للوالي برعيته لا حسن ظن الرعيّة بالوالي، في حين أنّ المناسب حسب الظاهر أن يكون التعبير الأوّل في مثل هذه الموارد أنسب، ولكن مراد الإمام عليه السلام التأكيد على أنّ الولاة وزعماء الامّة يسدون الخير والمعروف للرعية إلى درجة أنّهم يطمئنون إلى تأييدهم ووفائهم لهم.
وعلى هذا الأساس يقول الإمام عليه السلام في سياق كلامه:
«فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً [٢] طَوِيلًا».
[١]. رغم أنّ البعض يعتقد بأنّ «قِبَل» إذا اضيفت للضمير فإنّها تعني القرب، وإذا استعملت منفصلة تعني القدرة والقوّة.
[٢]. «نَصَب» بمعنى التعب والمشقّة، من مادة «نَصْب» على وزن «نصر» وتعني إثبات الشيء، مثلًا عندما يضعون الرمح في الأرض ويثبتونه يقال نصب الرمح، وبما أنّ التعب يؤدّي إلى توقف الإنسان عن العمل فاطلقت هذه الكلمة عليه، ويطلق على أعداء أهل البيت عليهم السلام نواصب لأنّه رفعوا لواء العداوة لهم.