نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٦ - الشرح والتفسير إحيي السنن الحسنة
الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً [١] لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ وَأَلْزِمْ كُلّاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ
نَفْسَهُ».
ما يبيّنه الإمام عليه السلام في هذه التوصية يعتبر أحد الأصول المهمّة للإدارة الجيدة، من إدارة اللَّه تعالى والأنبياء للبشرية إلى إدارة ربّ الاسرة لعائلته وأبنائه.
القرآن الكريم يأمر النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بالبشارة والإنذار ويعتبره «مبشراً» و «نذيراً»، وكذلك وعد اللَّه تعالى الصالحين بالثواب الجزيل والنعيم الدائم في الجنّة، ووعد المسيئين بالنار والعذاب الأليم.
وهذا الأصل موجود في جميع الأقوام البشرية مع تنوعهم واختلافهم في العقائد والثقافات والأنظمة الحكوميّة، ويندرج تحت عنوان الترغيب والترهيب، والدليل على ذلك بيّن، لأنّ استمرار عمليّة الإحسان وإسداء المعروف للآخرين يتطلب تحفيز الباعث النفسي، ومنع المخالفات أيضاً يستدعي وجود المحفز والباعث، فربّما تؤثر الدوافع المعنويّة والعقائد الدينيّة في هذا المجال، ولكن هذا الدوافع لا تتوفر في جميع الأفراد، أضف إلى ذلك فإنّ وجود مسألة الثواب والعقاب من قِبل الوالي والحاكم من شأنه تجميد البواعث السلبية وترشيد الدوافع الخيرة.
وجملة
«وَأَلْزِمْ كُلّاً
...» إشارة لطيفة لهذه النقطة، وهي أنّ المرء عندما يتقبل شيئاً لنفسه فلا مسوغ لأن يقوم الحاكم بمنعه، فالمحسن اختار الثواب لنفسه، والمسيىء اختار العقاب لنفسه، ومن هذا المنطلق ينبغي اعطاء كلّ ذي حقّ حقّه.
والأهم من ذلك أنّ الإحسان للمحسنين يؤثر على عمل المسيئين ويرغبهم في ترك الإساءة، وعقوبة المسيئين تدعو بدورها المحسنين للإستمرار في إحسانهم كما ذكر الإمام عليه السلام في كلام آخر له في نهج البلاغة:
«ازْجُرِ الْمُسِيءَ بِثَوَابِ الْمُحْسِنِ» [٢].
وهذه إشارة إلى أنّ المسيىء عندما يرى نفسه محروماً من الثواب المادي
[١]. «تَدْريب» بمعنى الاعتياد على شيء أو عمل معين، وفي هذا المورد تعني التشويق في مقابل «تزهيد».
[٢]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ١٧٧.