نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - الشرح والتفسير حقوق الإمام وحقوق القادة
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في المقطع الثالث من كلامه يخاطب المتخلفين بلغة التهديد ليقرن البشارة مع الإنذار ويقول:
«فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنِ اعْوَجَ [١] مِنْكُمْ، ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ، وَلَا يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً».
وفي الواقع أنّ الإمام عليه السلام في هذا المورد يقرر عقوبتين للمتخلفين، عقوبة معنويّة وعقوبة ظاهرية، أمّا العقوبة المعنويّة فسقوط قدرهم ومقامهم عند الإمام عليه السلام إلى درجة الحضيض، وأمّا العقوبة الظاهريّة فهي التعزير البدني الذي يقرره الإمام بحقهم، ومعلوم أنّ البشارة والإنذار لو لم يقترنا في أمر الإدارة والمسؤوليّة وخاصّة في إدارة الحرب والدفاع، فإنّها ستفقد مصداقيتها وفائدتها في ضبط الأمور.
وفي الختام يشير الإمام عليه السلام إشارة مختصرة ودقيقة فيما يتصل بما ذكر آنفاً ويقول:
«فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَكُمْ.
وَالسَّلَامُ».
وجملة
«فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ»
إشارة إلى الحقوق الخمسة التي بيّنها الإمام عليه السلام في مستهل كلامه أنّه يعطيهم الحقّ بأن يطالبوا هذه الحقوق من قادتهم وامرائهم، وجملة
«أَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ..»
، إشارة إلى الحقوق الأربعة التي طالب بها الإمام عليه السلام منهم، وهي الحقوق التي تصب في صالحهم ومن أجل إصلاح أمورهم.
ونرى أنّ الإمام عليه السلام في هذا المورد يستخدم كلمة «امراء» بصيغة الجمع، ويشير بذلك إلى نفسه والقادة أو الأئمّة الذين سيأتون بعده بالحق، ويستلمون زمان الأمور بالحقّ، لا أنّ المراد قادة الجيش، لأنّهم هم المخاطبين بهذا الكلام.
[١]. «أعوجّ» من مادة «عَوج» على وزن «حرج» وتعني انحراف الشيء وميلانه و «عِوج» بكسر العين، اسم مصدر وتشمل كلّ أشكال الانحراف والاعوجاج، وتطلق أحياناً بمعنى الانحرافات المعنويّة والعمليّة وجاءت في العبارة أعلاه بهذا المعنى.