نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣ - الشرح والتفسير تطييب خاطر محمّد بن أبي بكر
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ، وَإِنّي لَمْ أَفْعَلْ ذلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الْجَهْدِ، وَلَا ازْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدِّ وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةً وَأَعْجَبُ إِلَيْك وِلَايَةً.
إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كانَ رَجُلًا لَنَا نَاصِحاً، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً، فَرَحِمَهُ اللَّهُ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ، وَلَاقَى حِمَامَهُ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ؛ أَوْلَاهُ اللَّهُ رِضْوَانَهُ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ! فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ، وَامْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ، وَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ، وَأَكْثِرِ الْاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا يُنْزَلُ بِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
الشرح والتفسير: تطييب خاطر محمّد بن أبي بكر
لقد أشار الإمام عليه السلام في هذه الرسالة المختصرة إلى عدّة نقاط مهمّة فقال أوّلًا:
«أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ [١] مِنْ تَسْرِيحِ [٢] الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ [٣]، وَإِنّي لَمْ أَفْعَلْ
ذلِكَ اسْتِبْطَاءً [٤] لَكَ فِي الْجَهْدِ، وَ لَاازْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدِّ».
وبهذا الكلام سعى الإمام عليه السلام لتطييب خاطر محمّد بن أبي بكر وأكّد له أنّه راضٍ
[١]. «مَوْجِدَة» بمعنى الغضب والاستياء.
[٢]. «تَسْرِيح» ارسال الشخص لطلب شيء وأداء عمل معين، وتستعمل لكلّ تحرير وإزالة القيود، ومن هنا يطلق على الطلاق بأنّه تسريح لأنّ الزوج يطلق ويسرح زوجته من قيود الزوجيّة.
[٣]. «عَمَل» في هذا المورد تعني الولاية والامارة، ولذلك يقال للوالي أنّه «عامل»، في الرسالة السابقة قرأنا أنّها رسالة من الإمام علي عليه السلام إلى «قثم بن العباس» عامله على مكّة.
[٤]. «اسْتِبْطَاء» ضد الاسراع، أي تأخر في سيره، بطيءً من مادة «بطء» على وزن «كُفر».