الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٨ - رسالة نوح أوّل الرّسل من أولي العزم
مصالحهم بسبب يقظة الناس و انتباههم، و يرون الدين مانعا من عبثهم و مجونهم و شهواتهم، قالوا لنوح بكل صراحة و قحة: نحن نراك في ضلال واضح قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
و «الملأ» تطلق عادة على الجماعة التي تختار عقيدة و فكرة واحدة، و يملأ اجتماعها و جلالها الظاهري عيون الناظرين، لأن مادة «الملأ» أصلا من «الملء»، و قد استعملها القرآن على الأغلب في الجماعات الأنانية المستبدة ذات المظهر الأنيق و الباطن الفاسد الملوث بالأوضاد و الشرور، و الذين يملأون ساحات المجتمع المختلفة بوجودهم.
و لقد جابه نوح عليه السلام تعنتهم و خشونتهم بلحن هادئ و لهجة متينة تطفح بالمحبّة و الرحمة، فقال في معرض الردّ عليهم: أنا لست بضال، بل ليست في أية علامة للضلال، و لكنّي مرسل من اللّه قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.
و هذه إشارة إلى أنّ الأرباب التي تعبدوها و تفترضون لكل واحد منها مجالا للسيادة و الحاكمية، مثل إله البحر، إله السماء، إله السلام و الحرب، و ما شاكل ذلك، كله لا أساس لها من الصحة، و رب العالمين ما هو إلّا اللّه الواحد الذي خلقها جميعا و أوجدها من العدم.
ثمّ إنّ هدفي إنّما هو إبلاغ ما حمّلت من رسالة أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي.
و لن آلو جهدا في تقديم النصح لكم، و قصد نفعكم، و إيصال الخير إليكم وَ أَنْصَحُ لَكُمْ.
«أنصح» من مادة «نصح» يعني الخلوص و الغلو عن الغش و عن الشيء الدخيل، لهذا يقال للعسل الخالص: ناصح العسل، ثمّ أطلقت هذه اللفظة على الكلام الصادر عن سلامة نية، و بقصد الخير، و من دون خداع و مكر.
ثمّ أضاف تعالى وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.