الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٥ - الشدّة المقرونة بالرّفق
و يلاحظ في هذه الآية أربعة أوامر صارمة صادرة في شأن المشركين «إيصاد الطرق بوجههم، محاصرتهم، أسرهم، ثمّ قتلهم». و ظاهر النص أنّ الأمور الأربعة ليست على نحو التخيير، بل ينبغي ملاحظة الظروف و المحيط و الزمان و المكان و الأشخاص، و العمل بما يناسب هذه الأمور، فلو كان في الأسر و المحاصرة و إيصاد السبيل بوجه المشركين الكفاية فيها، و إلّا فلا محيص عن قتالهم.
و هذه الشدّة متناغمة و متوائمة مع منهج الإسلام و خطته في إزالة الوثنية و قلعها من جذورها، و كما أشرنا إلى ذلك سلفا، فإنّ حرية الإعتقاد «أي عدم إكراه أهل الأديان الأخرى على قبول الإسلام» تنحصر في أهل الكتاب من اليهود و النصارى، و لا تشمل عبدة الأوثان، لأنّ الوثنية ليست عقيدة صحيحة، و لا دينا كي تلحظ بعين الاحترام، بل هي تخلّف و خرافة و انحراف و جهل، و لا بدّ من استئصال جذورها بأي ثمن كان و كيف ما كان.
و هذه الشدّة و القوّة و الصرامة لا تعني سدّ الطريق،- طريق الرجوع نحو التوبة- بوجههم، بل لهم أن يثوبوا إلى رشدهم و يعودوا إلى سبيل الحق، و لذلك فإنّ الآية عقبت بالقول: فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ.
و في هذه الحال، أي عند رجوعهم نحو الإسلام، لن يكون هناك فرق بينهم و بين سائر المسلمين، و سيكونون سواء و إياهم في الحقوق و الأحكام.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. يتوب على عباده المنيبين إليه.
و تستكمل الآية التالية هذا الموضوع بأمر آخر، كما يتّضح بجلاء أن هدف الإسلام من هذا الأمر إنّما هو نشر التوحيد و الحق و العدالة، و ليس هو الاستثمار أو الاستعمار و امتصاص المال، أو الاستيلاء على أراضي الآخرين، إذ تقول الآية: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ.
أي عليك أن تعامل من يلجأ إليك من المشركين برفق و لطف، و امنحه