الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٦ - مسئوليتنا إزاء أهل الكتاب
و تذكر الآية الصفة الثّالثة التي كانوا يتصفون بها فتقول: وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ.
و يوجد احتمالان في هذه الجملة أيضا، إلّا أنّ الظاهر أنّ المراد من دين الحق هو دين الإسلام المشار إليه بعد بضع آيات.
و ذكر هذه الجملة بعد عدم اعتقادهم بالمحرمات الإسلامية، هو من قبيل ذكر العام بعد الخاص، أي أن الآية أشارت أوّلا إلى ارتكابهم لمحرمات كثيرة، و هي محرّمات تلفت النظر كشرب الخمر و الربا و أكل لحم الخنزير، و ارتكاب كثير من الكبائر التي كانت تتسع يوما بعد يوم.
ثمّ تقول الآية: إن هؤلاء لا يدينون بدين الحق أساسا، أي أن أديانهم منحرفة عن مسيرها الأصيل، فنسوا كثيرا من الحقائق و التزموا بكثير من الخرافات مكانها، فعليهم أن يتقبلوا الإسلام، و أن يعيدوا بناء أفكارهم من جديد على ضوء الإسلام و هداه، أو يكونوا مسالمين- على الأقل- فيعيشوا مع المسلمين، و أن يقبلوا شروط الحياة السلمية مع المسلمين.
و بعد ذكر هذه الأوصاف الثلاثة، التي هي في الحقيقة المسوغ لجهاد المسلمين لأهل الكتاب، تقول الآية مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ.
و كلمة «من» في الآية بيانية لا تبعيضية، و بتعبير آخر: إنّ القرآن يريد أن يقول: إن أهل الكتاب السابقين- و للأسف- لا يدينون بدين الحق و انحرفوا عن المعتقدات الصحيحة، و هذا الحكم يشملهم جميعا.
ثمّ تبيّن الآية الفرق بين أهل الكتاب و المشركين في مقاتلتهم، بالجملة التالية حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ.
«و الجزية» مأخوذة من مادة الجزاء، و معناها المال المأخوذة من غير المسلمين الذين يعيشون في ظلّ الحكومة الإسلامية، و هذه التسمية لأنّها جزاء حفظ أموالهم و أرواحهم (هذا ما يستفاد من كلام الراغب في مفرداته فلا بأس