الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٩ - التّفسير
بالإضافة إلى الأضرار المادية، لأنّهم كانوا يتصورون أنّ طريق النجاة يتمثل في الوثنية لا في دين شعيب.
و عند ما وصل أمرهم إلى الإصرار على ضلالتهم، و على إضلال غيرهم أيضا، و لم يبق أي أمل في إيمانهم و هدايتهم، حلّت بهم العقوبة الإلهية بحكم قانون حسم مادة الفساد، فأصابهم زلزال رهيب شديد بحيث تهاوى الجميع أجسادا ميّتة، في داخل بيوتهم و منازلهم فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ.
و قد مرّ في ذيل الآية (٧٨) من هذه السورة- تفسير لفظة «جاثمين» و قلنا هناك أنّه قد استعملت عبارات و ألفاظ مختلفة للتعبير عن عامل هلاك هذه الجماعة لا منافاة بينها.
فمثلا: جاء في شأن قوم شعيب- في الآية الحاضرة- أنّ عامل هلاكهم كان هو: «الزلزال» و في الآية (٩٤) من سورة هود أنّه «صيحة سماوية» و في الآية (١٨٩) من سورة الشعراء: أنّه «ظلة من السحاب القاتل» و تعود كلها إلى موضوع واحد، و هو أنّ العذاب المهلك كان صاعقة سماوية مخيفة، اندلعت من قلب السحب الكثيفة المظلمة، و استهدفت مدينتهم، و على أثرها حدث زلزال شديد (هو خاصية الصواعق العظيمة) و دمّر كل شيء.
في الآية اللاحقة شرح القرآن الكريم أبعاد هذا الزلزال العجيب المخيف الرهيب بالعبارة التالية: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [١]. أي أنّ الذين كذبوا شعيبا أبيدوا إبادة عجيبة، و كأنّهم لم يكونوا يسكنون تلك الديار.
و في ختام الآية يقول: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ.
و كأنّ هاتين الجملتين جوابا لأقوال معارضي شعيب، لأنّهم كانوا قد هدّدوا بأن يخرجوه هو و أتباعه في حالة عدم انصرافهم من دين التوحيد إلى الدين
[١] «يغنوا» مشقة من مادة «غني» بمعنى «الإقامة في المكان» يقول الطبرسي في مجمع البيان: لا يبعد أن يكون المفهوم الأصلي للغنى هو عدم الحاجة، لأنّ من كان عنده منزل حاضر، فهو مستغن عن منزل آخر.