الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - ٣- ما هو المراد من تجلّي اللّه؟
٣- ما هو المراد من تجلّي اللّه؟
لقد وقع كلام كثير بين المفسّرين في هذا الصعيد، و لكن ما يبدو للنظر من مجموع الآيات أنّ اللّه أظهر إشعاعة من أحد مخلوقاته على الجبل (و تجلّي آثاره بمنزلة تجليه نفسه) و لكن ماذا كان ذلك المخلوق؟ هل كان إحدى الآيات الإلهية العظيمة التي بقيت مجهولة لنا إلى الآن، أو أنّه نموذج من قوة الذرّة العظيمة، أو الأمواج الغامضة العظيمة التأثير و الدفع، أو الصاعقة العظيمة الموحشة التي ضربت الجبل و أوجدت برقا خاطفا للأبصار و صوتا مهيبا رهيبا و قوّة عظيمة جدا، بحيث حطّمت الجبل و دكّته دكّا [١]؟! و كأنّ اللّه تعالى أراد أن يرى- بهذا العمل- شيئين لموسى عليه السلام و بني إسرائيل:
الأوّل: أنّهم غير قادرين على رؤية ظاهرة جد صغيرة من الظواهر الكونية العظيمة، و مع ذلك كيف يطلبون رؤية اللّه الخالق.
الثاني: كما أن هذه الآية الإلهية العظيمة مع أنّها مخلوق من المخلوقات لا أكثر، ليست قابله للرؤية بذاتها، بل المرئي هو آثارها، أي الرجة العظيمة، و المسموع هو صوتها المهيب. أمّا أصل هذه الأشياء أي تلك الأمواج الغامضة أو القوة العظيمة فلا هي ترى بالعين، و لا هي قابلة للإدراك بواسطة الحواس الأخرى، و مع ذلك هل يستطيع أحد أن يشك في وجود مثل هذه الآية، و يقول:
حيث أنّنا لا نرى ذاتها، بل ندرك فقط آثارها فلا يمكن أن نؤمن بها.
فإذا يصح الحكم هذا حول مخلوق من المخلوقات، فكيف يصح أن يقال عن اللّه تعالى: بما أنّه غير قابل للرؤية، إذن لا يمكننا الإيمان به، مع أنّه ملأت
[١] الصاعقة عبارة عن التبادل الكهربائي بين قطع الغيوم و الكرة الأرضية، فالسحب ذات الكهربية الموجبة عند ما تقترب إلى الأرض ذات الكهربية السلبية تندلع شرارة من بينهما يعني السطح المجاور من الكرة الأرضية، و هي خطرة مدمرة في الغالب، و لكن البرق و الرعد ينشآن من التبادل الكهربائي بين قطعتين من السحاب أحدهما موجب، و الآخر سلبي، و حيث أنّهما يحدثان في السماء لذلك لا يشكلان خطرا في العادة إلّا للطائرات. و السفن الفضائية.