الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٥ - التّفسير
و إن الهجرة تهدم ما كان قبلها، و إن الحج يهدم ما كان قبله» [١]
و المقصود من الحديث آنفا هو أنّ كل ما عمله الإنسان من سيئات و حتى تركه للفرائض و الواجبات قبل إسلامه فسوف يمحى عنه بقبوله الإسلام، و لا يكون قبوله للإسلام أثر رجعي لما سبق، لهذا ورد في كتب الفقه عدم وجوب قضاء ما فات من العبادات على من أسلّم.
و تضيف الآية قائلة: إنّهم إن لم يصححوا أسلوبهم وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ.
و المقصود من هذه السنة هو ما آل إليه أعداء الحق بعد ما واجهوا الأنبياء، و ما أصاب المشركين عند ما واجهوا النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في معركة بدر.
فنحن نقرأ في سورة غافر، الآية: (٥١): إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ.
و نقرأ في سورة الاسراء، الآية (٧٧): بعد بيان سحق أعداء الإسلام قوله تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا.
و لمّا كانت الآية السابقة قد دعت الأعداء للعودة إلى الحق، و إن هذه الدعوة قد تولد هذه الفكرة لدى المسلمين و هي أنّه قد انتهت فترة الجهاد و لا بدّ بعد الآن من اللين و التساهل، ترفع هذه الشبهة الآية التالية و تقول: وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.
و كلمة «الفتنة»- كما بيناها في تفسير الآية (١٩٣) من سورة البقرة- ذات معنى واسع تشمل كل أنواع الضغوط، فتارة يستعملها القرآن بمعنى عبادة الأصنام و الشرك الذي يشمل كل أنواع التحجر و الجمود و اضطهاد أفراد المجتمع.
[١] صحيح مسلم وفقا لما نقله صاحب المنار في تفسيره، ج ٩، ص ٦٦٥.