الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩١ - الذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون!
الحق و نداء السعادة، كمن لا أذن له و لا سمع لديه، و الذين لهم ألسنة سالمة لكنّها ساكتة عن الدعوة إلى الحق و مكافحة الظلم و الفساد، فلا يأمرون بمعروف و لا ينهون عن منكر، بل يضيعون هذه النعمة في التملق و التذلل أمام الطواغيت أو تحريف الحق و تقوية الباطل، فهؤلاء كمن هو أبكم لا يقدر على الكلام، و كذلك الذين يتمتعون بنعمة الفكر و العقل و لكنّهم لا يصححون تفكيرهم، فهؤلاء في عداد المجانين.
و تقول الآية بعدها إن اللّه لا يمتنع من دعوة هؤلاء إن كانوا صادقين في طلبهم و على استعداد لتقبل الحق: وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ.
و قد ورد في الرّوايات أنّ بعض عبدة الأصنام جاءوا النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قالوا: إذا أخرجت لنا جدنا الأكبر (قصي بن كلاب) حيّا من قبره، و شهد لك بالنبوة، فسوف نسلّم جميعا! فنزلت الآية لتقول: إنّه لو كان حديثهم صادقا لفعل اللّه ذلك لهم بواسطة المعجزة، لكنّهم يكذبون و يأتون بأعذار واهية، بهدف التخلص من الإذعان لدعوة الحق ...
و يقول تعالى: وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ.
فالذين سمعوا دعوة الحق كثيرا، و بلغت آذانهم آيات القرآن، و فهموا مضامينها العالية، لكنّهم أنكروها بسبب عتوهم و عصبيّتهم، فهم غير مؤهلين للهداية لما اقترفت أيديهم، و لا شأن بعدئذ للّه و رسوله بهم، فهم في ظلام دامس و ضلال بهيم.
كما أنّ هذه الآية تعد جوابا قاطعا للقائلين بمدرسة الجبر، لأنّها تقرر بأن يكمن في الإنسان نفسه و أنّ اللّه يعامل الناس بما يبدونه من أنفسهم من استعداد و قابلية في طريق الهداية.