الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٢ - هل يمكن قلب العصا إلى حية عظيمة؟!
و من دون تأخير أخرج موسى معجزتيه العظيمتين التي كانت إحداهما مظهر «الخوف» و الأخرى مظهر «الأمل» و كانتا تكملان مقام إنذاره و مقام تبشيره، و ألقى في البداية عصاه: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [١].
و التعبير ب «المبين» إشارة إلى أنّ تلك العصا التي تبدلت إلى ثعبان حقّا، و لم يكن سحرا و شعبذة و ما شاكل ذلك، على العكس من فعل السحرة لأنّه يقول في شأنهم: إنّهم مارسوا الشعبذة و السحر، و عملوا ما تصوره الناس حيات تتحرك، و ما هي بحيات حقيقة و واقعا.
ّ ذكر هذه النقطة أمر ضروري، و هي أنّنا نقرأ في الآية (١٠) من سورة النمل، و الآية (٣١) من سورة القصص، أن العصا تحركت كالجانّ، و «الجانّ» هي الحيات الصغيرة السريعة السير، و إنّ هذا التعبير لا ينسجم مع عبارة «ثعبان» التي تعني الحية العظيمة ظاهرا.
و لكن مع الالتفات إلى أنّ تينك الآيتين ترتبطان ببداية بعثة موسى، و الآية المبحوثة هنا ترتبط بحين مواجهته لفرعون، تنحل المشكلة، و كأن اللّه أراد أن يوقف موسى على هذه المعجزة العظيمة تدريجا فهي تظهر في البداية أصغر، و في الموقف اللاحق تظهر أعظم.
هل يمكن قلب العصا إلى حية عظيمة؟!
على كل حال لا شك في أنّ تبديل «العصا» إلى حية عظيمة معجزة، و لا يمكن تفسيرها بالتحليلات المادية المتعارفة، بل هي من وجهة نظر الإلهي الموحد- الذي يعتبر جميع قوانين المادة محكومة للمشيئة الربانية- ليس فيها ما يدعو للعجب فلا عجب أن تتبدل قطعة من الخشب إلى حيوان بقوة ما فوق
[١] احتمل «الراغب» في «المفردات» أن تكون كلمة ثعبان متخذة من مادة «ثعب» بمعنى جريان الماء، لأنّ حركة هذا الحيوان تشبه الأنهر التي تجري بصورة ملتوية.