الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨ - ٢- أقصر الأدلة على المعاد
الشرك و التوجه إلى غير اللّه) يبدو للنظر أنّه أنسب مع ما سبق و ما يلحق هذه الجملة، و إن لم تكن إرادة كل هذه المعاني بعيدة عن مفهوم الآية أيضا.
٢- أقصر الأدلة على المعاد
لقد بحث أمر المعاد و البعث في يوم القيامة كثيرا، و يستفاد من آيات القرآن الكريم أنّ هضم هذه المسألة كان أمرا صعبا و عسيرا بالنسبة إلى كثير من الناس في العصور الغابرة، إلى درجة أنّهم كانوا يتخذون أحيانا من طرح مسألة القيامة و المعاد من قبل الأنبياء دليلا على عدم صحة دعوتهم، و بل حتى (و العياذ باللّه) دليلا على الجنون و يقولون: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [١].
و لكن يجب الانتباه إلى أنّ ما كان يدعو لمزيد من تعجبهم و دهشتهم، هو مسألة المعاد الجسماني، لأنّهم ما كانوا يصدّقون بأنّ الأبدان بعد صيرورتها ترابا، و تبعثر ذراتها بفعل الرياح و الأعاصير و تناثرها في أرجاء الأرض. أن تجتمع هذه الذرات المتبعثرة من بين أكوام التراب. و أمواج البحار، و من بين ثنايا ذرات الهواء، و يلبس ذلك الإنسان لباس الوجود و الحياة مرّة أخرى.
إن القرآن الكريم أجاب في آيات متنوعة على هذا الظن الخاطئ، و الآية الحاضرة تعكس إحدى أقصر و أجمل التعابير في هذا المجال، إذ تقول: أنظروا إلى بداية الخلق، انظروا إلى جسمكم الذي يتكون من مقدار كبير من الماء، و مقدار أقل من المواد المعدنية و شبه المعدنية المختلفة المتنوعة أين كان في السابق؟ فالمياه المستخدمة في جسمكم يحتمل أنّ كل قطرة منها كانت سادرة في محيط من محيطات الأرض ثمّ تبخّرت و تبدلت إلى السّحب، ثمّ نزلت في شكل قطرات المطر على الأراضي، و الذرات التي استخدمت في نسيج جسمكم من مواد الأرض الجامدة كانت ذات يوم في هيئة حبّة قمح أو ثمرة شجرة، أو خضروات مختلفة جمعت من مختلف نقاط الأرض.
[١]- سورة سبأ، ٨.