الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٥ - ألم يكن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يعلم الغيب؟!
ثمّ تحكي الآية عن مقام النّبي الواقعي و رسالته، في جملة موجزة صريحة، فتقول على لسانه: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
ملاحظة
ألم يكن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يعلم الغيب؟!
يحكم بعض السطحيين لدى قراءتهم لهذه الآية- و بدون الأخذ بنظر الإعتبار الآيات القرآنية الأخرى، بل حتى القرائن الموجودة في هذه الآية أيضا- أنّ الآية آنفة الذكر دليل على نفي علم الغيب عن الأنبياء نفيا مطلقا ...
مع أنّ الآية- محل البحث- تنفي علم الغيب المستقل و بالذات عن النّبي، كما أنّها تنفي القدرة على كل نفع و ضرّ بصورة مستقلة. و نعرف أنّ كل إنسان يملك لنفسه و للآخرين النفع أو الضر.
فبناء على ذلك فإنّ هذه الجملة المتقدمة شاهد واضح على أنّ الهدف ليس هو نفي مالكية النفع و الضر أو نفي علم الغيب بصورة مطلقة، بل الهدف نفي الاستقلال، و بتعبير آخر: إنّ النّبي لا يعرف شيئا من نفسه، بل يعرف ما أطلعه اللّه عليه من أسرار غيبه، كما تقول الآيتان (٢٦) و (٢٧) من سورة الجن عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً.
و أساسا، فإنّ كمال مقام القيادة لا سيما إذا كان الهدف قيادة العالم بأسره، و في جميع المجالات الماديّة و المعنوية، هو الاحاطة الواسعة بالكثير من المسائل الخفية عن سائر الناس، لا المعرفة بأحكام اللّه و قوانينه فحسب، بل المعرفة بأسرار عالم الوجود، و البناء البشري، و قسم من حوادث المستقبل و الماضي، فهذا القسم من العلم يطلعه اللّه على رسله، و إذا لم يطلعهم عليه لم