الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٢ - نقض العهد المتكرر
في الآيات السابقة، و منها الطاعون أو الثلج و البرد القاتل، الذي وردت الإشارة إليها في التوراة.
هذا، و قد وقع كلام بين المفسّرين في المراد من عبارة بِما عَهِدَ عِنْدَكَ و أنّه ما هو المقصود من ذلك العهد الإلهي الذي أعطاه سبحانه لموسى؟
إنّ ما هو الأقرب إلى النظر هو أن المقصود من ذلك الوعد الإلهي هو أن يستجيب دعاءه إذا دعاه، و لكن يحتمل أيضا أن يكون المقصود هو عهد «النبوة» و تكون «الباء» باء القسم، يعني نقسم عليك بحق مقام نبوتك إلّا ما دعوت اللّه ليرفع عنّا هذا البلاء.
و في الآية اللاحقة يشير إلى نقضهم للعهد و يقول: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ [١].
إنّ جملة إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إشارة إلى أنّ موسى حدّد لهم وقتا و عيّن أمدا، فكان يقول لهم: في الوقت الفلاني سيرفع هذا البلاء عنكم، حتى يتّضح لهم أنّ ارتفاع ذلك البلاء عنهم ليس أمرا اتفاقيا و صدقة، بل هو بفضل دعائه و طلبه من اللّه تعالى.
إنّ جملة إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ و بالنظر إلى أن «ينكثون» فعل مضارع يدلّ على الاستمرارية يفيد أنّه قد تكرر تعهدّهم لموسى عليه السلام ثمّ نقضهم للعهد، حتى أصبح نقض العهد جزءا من برنامجهم و سلوكهم الدائم.
و آخر هذه الآيات تبيّن- من خلال جملتين قصيرتين- عاقبة كلّ هذا التعنت، و نقض العهد، فتقول بصورة مجملة فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ.
ثمّ تشرح هذا الانتقام و تذكر تفصيله فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ [٢]
[١] النكث على وزن مكث، يعني فل الحبل المفتول، ثمّ أطلق على نقض الميثاق و العهد.
[٢] يستفاد من مصادر اللغة، و كتب الأحاديث أن المراد من اليم هو «البحر»، و هو يطلق على نهر النيل أيضا، أمّا أن لفظة اليم