الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٧ - رسالة نوح أوّل الرّسل من أولي العزم
تعاليمهم البناءة من الأشواك، أشواك الوثنية و الشرك و العبودية لغير اللّه تعالى.
و يستفاد من الآية (٢٣) في سورة نوح خاصّة أنّ الناس في زمن النّبي نوح عليه السلام كانوا يعبدون أصناما متعددة تدعى «ودّ» و «سواع» و «يغوث» و «يعوق» و «نسر»، التي سيأتي الحديث عنها عند تفسير تلك الآية بإذن اللّه.
و بعد أن أيقظ نوح ضمائرهم و فطرتهم الغافية، حذّرهم من مغبة الوثنية و عاقبتها المؤلمة إذ قال: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
و المراد من عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يمكن أن يكون الطوفان المعروف بطوفان نوح، الذي قلّما شوهد مثله في العقوبات في العظمة و السعة، كما و يمكن أن يكون إشارة إلى العقوبة الإلهية في يوم القيامة، لأنّ هذا التعبير قد ورد في معنيين من القرآن الكريم. فإنّنا نقرأ في سورة الشعراء الآية (١٨٩): فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ الآية وردت حول العقوبة التي نزلت بقوم شعيب في هذه الدنيا بسبب ذنوبهم و معاصيهم، و نقرأ في سورة المطففين الآية (٥): أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [١].
إنّ عبارة «أخاف» (أي أخشى أن تصيبكم هذه العقوبة، بعد ذكر مسألة الشرك في الآية المبحوثة، يمكن أن تكون لأجل أن نوحا يريد أن يقول لهم: إذا لم تتيقنوا وقوع هذه العقوبة، فعلى الأقل ينبغي أن تخافوا منها، و لهذا لا يجيز العقل أن تسلكوا- مع هذا الاحتمال- هذا السبيل الوعر، و تستقبلوا عذابا عظيما أليما كهذا.
و لكن قوم نوح بدل أن يستقبلوا دعوة هذا النّبي العظيم الإصلاحية، المقرونة بقصد الخير و النفع لهم، فينضوون تحت راية التوحيد و يكفون عن الظلم و الفساد، قال جماعة من الأعيان و الأثرياء الذين كانوا يحسون بالخطر على
[١] كلمة عظيم في الآية أعلاه صفة «ليوم» لا للعذاب.