الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٣ - ١- تحريف التاريخ
و هي ما نقل عن النعمان بن بشير إذ يقول: كنت جالسا في عدة من أصحاب النّبي إلى جوار منبره، فقال بعضهم: لا أرى عملا بعد الإسلام أفضل من سقاية الحاج و إروائهم، و قال الآخر: إنّ عمارة المسجد الحرام أفضل من كل عمل، فقال الثالث، في سبيل اللّه أفضل ممّا قلتما.
فنهاهم عمر عن الكلام و قال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللّه- و كان ذلك اليوم يوم الجمعة- و لكنّي سأسأل رسول اللّه بعد الفراغ من الصلاة- صلاة الجمعة- في ما اختلفتم فيه.
و بعد أن أتمّ صلاته جاء إلى رسول اللّه فسأله عن ذلك، فنزلت الآيات محل البحث [١].
إلّا أنّ هذه الرّواية لا تنسجم و الآيات محل البحث من عدّة جهات، و نحن نعرف أن كلّ رواية مخالفة للقرآن ينبغي أن تطرح جانبا و يعرض عنها؛ لأنّه:
أوّلا: لم يكن في الآيات محل البحث قياس ما بين الجهاد و سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام، بل القياس ما بين سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام من جهة، و الإيمان باللّه و اليوم الآخر و الجهاد من جهة أخرى، و هذا يدل على أن من كان يقوم بمثل السقاية و العمارة في زمان الجاهلية كان يقيس عمله بالإيمان و الجهاد. فالقرآن يصرّح بأنّ سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام لا يستويان- كل منهما- مع الإيمان باللّه و الجهاد في سبيله و ليس القياس بين الجهاد و عمران المسجد و سقاية الحاج (لاحظ بدقة).
ثانيا: إنّ جملة وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تدل على أن أعمال الطائفة الأولى كانت معروفة بالظلم، و إنما يفهم ذلك فيما لو كانت هذه الأعمال صادرة في حال الشرك، لإنّ القرآن يقول إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [٢].
[١] تفسير المنار، ج ١٠، ص ٢١٥.
[٢] سورة لقمان: الآية ١٣.