الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٢ - ٢- متى يجوز الغاء المعاهدة؟
و لمّا كانت أرض مكّة تستوعب منطقة واسعة «حولي ٤٨ ميلا» فقد عدّت المنطقة كلها جزءا من المسجد الحرام، كما نقرأ عن ذلك في الآية (١٩٦) من سورة البقرة، إذ تذكر موضوع حج التمتع و أحكامه فتقول: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.
و المعروف عند الفقهاء و فتاواهم أن أحكام حج التمتع إنما تجب على من تبعد داره «أو دار أهله» أكثر من ٤٨ ميلا عن مكّة.
فبناء على ذلك لا مانع أبدا من أن يطلق على الحديبية، التي تبعد ١٥ ميلا عن مكّة، تعبير: عند المسجد الحرام.
و أمّا قول بعضهم: إن الاستثناء الوارد في الآية إنما هو في شأن مشركي قريش، الذين عدّ القرآن الكريم عهدهم الذي عقدوه في صلح الحديبية محترما، فهذا القول يبدو بعيدا، بل هو غير صحيحى، لأنّه.
أوّلا: من المعلوم أنّ مشركي قريش نقضوا العهد، فنقضهم مقطوع به، و لا مراء فيه، فإن لم يكونوا قد نقضوا العهد، فمن الذين لم ينقضوا عهدهم إذا؟! ثانيا: إن صلح الحديبية إنّما كان في السنة السادسة للهجرة، بينما أسلم مشركو قريش في السنة الثامنة للهجرة بعد فتح مكّة، فبناء على ذلك فالآيات هذه النازلة في السنة التاسعة للهجرة، لا يمكن أن تكون ناظرة إليهم.
٢- متى يجوز الغاء المعاهدة؟
كما قلنا ذيل الآيات المتقدمة، فإنّ المراد من الآيات محل البحث لا يعني جواز الغاء العهد بمجرّد تصميم المشركين و عزمهم على نقض العهد عند بلوغهم القدرة، بل إنّهم أبدوا هذا الأسلوب و طريقة تفكيرهم عمليّا مرارا، فمتى استطاعوا أن يوجهوا ضربتهم إلى الإسلام دون الالتفات إلى المعاهدة وجهوها.
و هذا المقدار من عملهم كاف لإلغاء عهدهم.