الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٨ - ١- الهجرة و الجهاد
خاصّة إلى مداه الرحب و صيرته عالميّا، و الجهاد علّم المسلمين أنّهم إذا لم يعتمدوا على قدراتهم فإنّ عدوّهم الذي لا يلتزم بأيّة مقررات سوف لا يعترف لهم بأدنى حقّ. سوف لا يعطيهم حقوقهم المشروعة، و لا يصيخ لهم سمعا أبدا.
و اليوم إذا أردنا انقاذ الإسلام من الطرق المسدودة، و إزاحة الموانع التي جعلها الأعداء في طريقه من كل جهة، فلا سبيل إلى ذلك إلّا باحياء هذين الأصلين: الهجرة و الجهاد.
فالهجرة توصل صوت المسلمين إلى أسماع العالم كله، و تروي ظمأ القلوب المتعطشة للحق و العدل و من هو في شوق إلى معرفة الحقيقة.
و الجهاد يهب المسلمين التحرك و الحياة، و يبعد أعداءهم الذين لا ينفعهم إلّا منطق القوة عن قارعة الطريق و يبيدهم.
و قد حدثت الهجرة في الإسلام مرارا. فكانت هجرة المسلمين من مكّة إلى الحبشة حيث غرسوا بها الإسلام خارج الجزيرة العربية و بنوا فيها حصنا للمسلمين الأوائل قبال ضغوط أعدائهم.
ثمّ هجرة النّبي و المسلمين الأولى إلى المدينة، و لهؤلاء المهاجرين الذين يطلق عليهم (مهاجرو بدر) أهمية قصوى في تأريخ الإسلام، لأنّهم اتّجهوا ظاهرا نحو مستقبل مجهول مظلم، و غضوا ابصارهم عن جميع ما ملكوه في سبيل اللّه، و أعرضوا عن حطام الدنيا.
هؤلاء المهاجرين أي: «المهاجرون الأوّلون» مثلوا في الحقيقة الحجر الأساس لصرح الإسلام العظيم، و القرآن يثني عليهم بالتكريم و التعظيم، و لوليهم عناية خاصّة، لأنّهم كانوا من أشد المسلمين تضحية.
«الهجرة الثّانية» أطلقت على هجرة طائفة أخرى من المسلمين إلى المدينة، و ذلك بعد صلح الحديبية و الحصول على محيط آمن نسبيا بعد هذا الصلح، و قد تطلق الهجرة على كل مهاجر من مكّة إلى المدينة حتى بعد واقعة