الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٢ - سرّ بداية الهجرة
الإسلام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، حتى أنّهم أعدّوا جائزة لهذا الغرض و هي مائة ناقة، و هذا العدد من الإبل كان يعدّ ثروة كبرى يومئذ «هذه الجائزة لكلّ من يقبض على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى بعد أن خرج عن قبضتهم» و قد طفق الكثير يجوبون الفيافي و الجبال ليبحثوا عنه طلبا لتلك الجائزة الكبرى حتى بلغوا الغار، و لكن اللّه سبحانه أذهب بأتعابهم أدراج الرياح بواسطة نسيج العنكبوت! و نظرا إلى أنّ هجرة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تمثل مرحلة جديدة في التأريخ الإسلامي، بل التأريخ الإنساني، فإنّنا نستنتج أنّ اللّه قد غير مسيرة التأريخ البشري بما نسجته العنكبوت من خيوط! ...
و هذا الأمر لا ينحصر بهجرة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بل في جميع تأريخ الأنبياء، فإنّ اللّه سبحانه أذل أعداءهم و دمرهم و أباد قوى الضلال بأسباب هيّنة كالريح- مثلا- أو كثرة البعوض، أو الطير الصغيرة التي تسمّى بالأبابيل، ليبيّن حالة الضعف البشري و العجز إزاء قدرته اللامتناهية و ليردع الإنسان عن التفكير بالطغيان و العناد.
و ممّا يسترعي النظر أنّ الالتجاء إلى هذه الأساليب الثّلاثة: السجن و النفي و القتل، لم يكن منحصرا بالمشركين في مواجهة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فحسب، فإنّ الطغاة يلجأون إلى هذه الأساليب الثّلاثة دائما للقضاء على المصلحين و إسكاتهم، و الحيلولة دون بسط نفوذهم بين المستضعفين، إلّا أنّه كما كانت النتيجة خلاف ما أراده مشركو مكّة في شأن النّبي و أضحت مقدمة لتحرك إسلامي جديد، فكذلك مثل هذه الموجهات الشديدة قد باءت نتائجها في مواطن أخرى بعكس ما كان متوقعا [١]
[١] الملاحظة اللطيفة هنا هو أنّ كتابة هذا التّفسير كانت في الاجزاء السابقة تسير مسيرا بطيئا، و لكن بما أن راقم هذه السّطور حين كتابة هذا الجزء من التّفسير كان قد نفي من قبل حكومة الطاغوت إلى مدينة «مهاباد» و «أنارك» فإنّ كتابة هذا التّفسير قد سارعت الخطى بحيث إنّني أكملت تمام هذا الجزء في ذلك المنفي.