الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٦ - التهم و الأباطيل
التّفسير
التهم و الأباطيل:
في الآية الأولى من الآيات- محل البحث- يردّ اللّه سبحانه على كلام المشركين الذي لا أساس له بزعمهم أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد جنّ، فيقول سبحانه: أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ [١].
و هذا التعبير يشير إلى أن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن شخصا مجهولا بينهم، و تعبيرهم ب «الصاحب» يعني المحب و المسامر و الصديق و ما إلى ذلك. و كان النّبي معهم أكثر من أربعين عاما يرون ذهابه و إيابه و تفكيره و تدبيره دائما و آثار النبوغ كانت بادية عليه، فمثل هذا الإنسان الذي كان يعدّ من أبرز الوجوه و العقلاء قبل الدعوة إلى اللّه، كيف تلصق به مثل هذه التهمة بهذه السرعة؟! أمّا كان الأفضل أن يتفكروا- بدلا من إلصاق التهم به- أن يكون صادقا في دعواه و هو مرسل من قبل اللّه سبحانه؟! كما عقب القرآن الكريم و بيّن ذلك بعد قوله أو لم يتفكروا؟
فقال: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ...
و في الآية التّالية- استكمالا للموضوع آنف الذكر- دعاهم القرآن إلى النظر في عالم الملكوت، عالم السموات و الأرض، إذ تقول الآية: أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ.
ليعلموا أنّ هذا العالم الواسع، عالم الخلق، عالم السموات و الأرض، بنظامه الدقيق المحيّر المذهل لم يخلق عبثا، و إنّما هناك هدف وراء خلقه. و دعوة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الحقيقة، هي من أجل ذلك الهدف، و هو تكامل الإنسان و تربيته و ارتقاؤه.
و «الملكوت» في الأصل مأخوذ من «الملك» و يعني الحكومة و المالكية،
[١] «الجنّة» كما يذهب إليه أصحاب اللغة معناها الجنون، و معناها في الأصل: الحائل و المانع فكأنما يلقى على العقل حائل عند الجنون.