الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - ٢- أقصر الأدلة على المعاد
و على هذا فلا مكان للتعجب و الدهشة إذا سمعنا أنّه بعد تلاشي بدن الإنسان و رجوعه إلى حالته الأولى تجتمع تلك الذرّات ثانية، و تتواصل و تترابط و يتشكل الجسم الأوّل، فلو كان هذا الأمر محالا فلما ذا وقع في مبدأ الخلقة.
إذا «كما بدأكم» اللّه «تعودون» أي يعيدكم في الآخرة، و هذا هو الموضوع الذي تضمنته العبارة القصيرة.
في الآية اللاحقة يصف سبحانه ردود الفعل التي أظهرها الناس قبال هذه الدعوة (الدعوة إلى التوحيد و الخير و المعاد) فيقول: فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ. [١] و لأجل أن لا يتصور أحد أنّ اللّه يهدي فريقا أو يضلّ فريقا من دون سبب، أضاف في الجملة ما يلي: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي إنّ الضالين هم الذين اختاروا الشياطين أولياء لهم بدل أن يدخلوا تحت ولاية اللّه، فضلوا.
و العجب أنّه رغم كل ما أصابهم من ضلال و انحراف يحسبون أنّهم المهتدون الحقيقون وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
إنّ هذه الحالة تختص بالذين غرقوا في الطغيان و المعصية، و كان انغماسهم في الفساد، و الضلال و الانحراف، و الوثنية، كبيرا إلى درجة أنّه انقلبت حاسة تمييزهم رأسا على عقب، فحسبوا القبيح حسنا، و الضلالات هداية، و في هذه الحالة أغلقت في وجوههم كل أبواب الهداية، و هذا هو ما أوجدوه و جلبوه لأنفسهم.
[١] جملة «فريقا هدى» من حيث الإعراب و التركيب تكون كالتالي: فريقا مفعول هدى فعل و فاعل مؤخرين، و فريقا (الثّانية) مفعول مقدم.
و أضل فعل و فاعل مؤخران مقدران دل عليهما جملة «حق عليهم الضلالة».