الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٥ - قوم فرعون و المصير المؤلم
جماعة أخرى حتى يمكن للجماعة الأولى أن تستغل الجماعة الضعيفة في سبيل مآربها و مصالحها، غاية ما هنالك أن هناك تفاوتا بين هذه اللفظة و لفظة الاستعمار، و هو: أن الاستعمار ظاهره تعمير الأرض، و باطنه الإبادة و التدمير، و لكن الاستضعاف ظاهره و باطنه واحد.
و التعبير ب كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ إشارة إلى الفرعونيين كانوا يستبقون بني إسرائيل في حالة ضعف دائمية: ضعف فكري، و ضعف أخلاقي، و ضعف اقتصادي، و من جميع الجهات و في جميع النواحي.
و التعبير ب مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا إشارة إلى الأراضي الواسعة العريضة التي كانت تحت تصرّف الفرعونيين، لأنّ الأراضي الصغيرة ليس لها مشارق و مغارب مختلفة، و بعبارة أخرى «ليس لها آفاق متعددة» و لكن الأراضي الواسعة جدا من الطبيعي أن يكون مشارق و مغارب بسبب كروية الأرض فيكون التعبير بمشارق الأرض و مغاربها كناية عن أراضي الفرعونيين الواسعة العريضة جدّا.
و جملة بارَكْنا فِيها إشارة إلى الخصب العظيم الذي كانت تتمتع به هذه المنطقة- يعني مصر و الشام- التي كانت تعدّ آنذاك، و في هذا الزمان أيضا، من مناطق العالم الخصبة الكثيرة الخيرات. حتى أن بعض المفسّرين كتب: إن بلاد الفراعنة في ذلك العصر كانت واسعة جدّا بحيث كانت تشمل بلاد الشام أيضا.
و على هذا الأساس لم يكن المقصود من العبارة هو الحكومة على كل الكرة الأرضية، لأنّ هذا يخالف التاريخ حتما. بل المقصود هو حكومة بني إسرائيل على كل أراضي الفراعنة و بلادهم.
ثمّ يقول: وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا أي تحقق الوعد الإلهي لبني إسرائيل بانتصارهم على الفرعونيين، بسبب صبرهم و ثباتهم.
و هذا هو الوعد الذي أشير إليه في الآيات السابقة (الآية ١٢٨ و ١٢٩ من نفس هذه السورة).