دنيا و آخرت از نگاه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٦٢
٥٣٤.بحار الأنوار ـ في ذِكرِ صُحُفِ إدريسَ عليه السل الصَّحيفَةُ الثّانِيَةُ وَالعِشرونَ «صَحيفَةُ الدُّنيا» : تَفَكَّروا في هذِهِ الدُّنيَا الَّتي تَفتِنُ بِزِبرِجِ زَخاريفِها ، وتَخدَعُ بِحَلاوَةِ تَصاريفِها، ولَذّاتُها شَبيهَةٌ بِنَورِ [١] الوَردِ المَحفوفِ بِالشَّوكِ الكَثيرِ ، فَهُوَ مادامَ زاهِرا يَروقُ العُيونَ ويَسُرُّ النُّفوسَ ، وهُوَ مَعَ ذلِكَ مُمتَنِعٌ بِالشَّوكِ المُقَرِّحِ يَدَ مُتَناوِلِهِ ، فَإِذا مَضَت ساعاتٌ قَليلَةٌ ، اِنتَثَرَ الزَّهرُ وبَقِيَ الشَّوكُ ، كَذلِكَ الدُّنيَا الخائِنَةُ الفانِيَةُ ، فَإِنَّ حَياتَها مُتَعَقَّبٌ بِالمَوتِ ، وشَبابَها صائِرٌ إلَى الهَرَمِ ، وصِحَّتَها مَحفوفَةٌ بِالمَرَضِ ، وغِناها مَتبوعٌ بِالفَقرِ ، ومُلكَها مَعرَضٌ لِلزَّوالِ ، وعِزَّها مَقرونٌ بِالذُّلِّ ، ولَذّاتِها مُكَدَّرَةٌ بِالشَّوائِبِ [٢] ، وشَهَواتِها مُمتَزِجَةٌ بِمَضَضِ النَّوائِبِ ، شَرُّها مَحضٌ ، وخَيرُها مُمتَزِجٌ ، مَن حُبِيَ [٣] مِنها بِشَيءٍ مِن شَهَواتِها لَم يَخلُ مِن غُصَصِ مَراراتِها ، وخَوفِ عُقوباتِها ، وخَشيَةِ تَبِعاتِها ، وما يَعرِضُ فِي الحالِ مِن آفاتِها . هذِهِ حالٌ فازَ مَن سَعِدَ بِها ، فَما تَقولُ فيمَن لَم يَحظَ بِطائِلٍ مِنهَا ! الصَّحيحُ فيها يَخافُ السُّقمَ ، وَالغَنِيُّ يَخشَى الفَقرَ ، وَالشّابُّ يَتَوَقَّعُ الهَرَمَ ، وَالحَيُّ ينَتَظِرُ المَوتَ ، مَنِ اعتَمَدَ عَلَيها وَاستَنامَ إلَيها كانَ مِثلَ المُستَنِدِ إلى جَبَلٍ شاهِقٍ مِنَ الثَّلجِ ؛ يَعظُمُ فِي العُيونِ عَرضُهُ وطولُهُ وسَمكُهُ ، فَإِذا أشرَقَت شَمسُ الصَّيفِ عَلَيهِ ذابَ غَفلَةً وسالَ ، وبَقِيَ المُستَنِدُ إلَيهِ وَالمُستَذري [٤] لَهُ بِالعَراءِ ، فَكَذلِكَ مَصيرُ هذِهِ الدُّنيا إلى زَوالٍ وَاضمِحلالٍ ، وَانتِقالٍ إلى دارٍ غَيرِها ، لا يُقبَلُ فيها إلاَّ الإِيمانُ ، ولا يَنفَعُ فيها إلاَّ العَمَلُ الصّالِحُ ، ولا يُتَخَلَّصُ فيها إلاّ بِرَحمَةِ اللّه ِ ، مَن هَلَكَ فيها هَوى ، ومَن فازَ فيها عَلا ، وهِيَ مُختَلِفَةٌ دائِمَةٌ . [٥]
[١] النَّورُ : زهر النبت (المصباح المنير : ص ٦٢٩ «نور») .[٢] الشوائب : الأقذار والأدناس (الصحاح : ج ١ ص ١٥٩ «شوب») .[٣] حباه يحبوه : أي أعطاه (الصحاح : ج ٦ ص ٢٣٠٨ «حبا») .[٤] استذْريتُ بفلان : أي التجأتُ إليه وصرتُ في كنفه (الصحاح : ج ٦ ص ٢٣٤٥ «ذرا») .[٥] بحار الأنوار : ج ٩٥ ص ٤٦٨ .