بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٥ - عدالة الصحابة بين العاطفة والبرهان
الخيرة الصادقين ، ويحترز عن الآخرين ، فاعلم أنّه من جملة المحقّقين في الدين والمتحرين للحقيقة » ، لكان أحسن وأولى بل هو الحسن والمتعيّن.
ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً ، يريد التثبت في أُمور الدين ، والتحقيق في مطالب الشريعة ، بالزندقة وأنّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة ، وما شهود المسلمين إلاّالآلاف المؤلّفة من أصحابه صلىاللهعليهوآلهوسلم فلا يضر بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم ، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصنف من المجروحين. ما هكذا تورد يا سعد الإبل!!.
٢ ـ إنّ هذه النظرية تكوّنت ونشأت من العاطفة الدينية التي حملها المسلمون تجاه الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وجرّتهم إلى تبنّي تلك الفكرة وقد قيل : من عشق شيئاً ، عشق لوازمه وآثاره.
إنّ صحبة الصحابة لم تكن بأكثر ولا أقوى من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط فما أغنتهما عن اللّه شيئاً ، قال سبحانه : ( ضَرَبَ اللّهُ مَثلاً لِلّذينَ كَفَرُوا امرأَةَ نُوح وَامرأَةَ لُوط كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيئاً وَقيلَ ادخُلا النّار مَعَ الدّاخلين ). [١]
إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بالزواج من النبي ، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه : ( يا نِساءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيِّنة يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيراً ). [٢]
٣ ـ إنّ أساتذة العلوم التربوية كشفوا عن قانون مجرب ، وهو أنّ الإنسان الواقع في إطار التربية ، إنّما يتأثر بعواملها إذا لم تكتمل شخصيته الروحية والفكرية ، لأنّ النفوذ في النفوس المكتملة الشخصية ، والتأثير عليها والثورة على أفكارها وروحياتها ، يكون صعباً جدّاً ( ولا أقول أمراً محالاً ) بخلاف ما إذا كان الواقع في إطارها صبياً يافعاً أو شاباً في عنفوان شبابه ، إذ عندئذ يكون قلبه
[١] سورة التحريم : الاية١٠.
[٢] سورة الأحزاب : الاية ٣٠.