بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨
ونزعاته أم لا ، وسواء أكانت لصالح المؤرّخ وقومه أم لا; ومن المعلوم أنّ القيام بذلك ، يتوقّف على كون المؤرّخ رجلاً موضوعياً متبنّياً للحقيقة ، ومحباً لها أكثر من حبه لنفسه ونفيسه ومصالحه ، ولكن هذا النمط نادر بين المؤرّخين ولا يقوم به منهم إلاّ الأمثل فالأمثل ولا يأتي بمثله الزمان إلاّ في الفينة بعد الأُخرى; ولأجل ذلك قلّ المؤرّخون الموضوعيون المنصفون ، فإنّ أكثرهم يركّزون على ما يروقهم وما يلائم أهواءهم والمذهب الذي يعتنقونه ، ويتركون ما سوى ذلك ، وليس هذا شيئاً محتاجاً إلى البرهنة والاستدلال ، بل يتّضح بالرجوع إلى ما أُلّف من التواريخ أيّام الدولتين : الأموية والعباسية ، فكلّ يخدم الحكومة التي كانت تعاصره وتدر عليه الرزق ، ومن ثمّ صارت التواريخ علبة المتناقضات ، وما ذاك إلاّ لأنّ الكاتب لم يراع واجبه الأخلاقي والاجتماعي وقبل كلّ شيء مسؤوليته الدينية.
تاريخ العقائد وتسجيل الفرق
هذا فيما يرجع إلى مطلق التاريخ والوقائع التي يواجهها المؤرّخ في كلّ عصر ومصر سواء أكانت راجعة إلى الملوك والساسة ، أو السوقة والشعوب ، وأمّا تبيين عقائد الأُمم ومذاهبها التي كانت تدين أو تتمذهب بها على ما هي عليه ، فذاك أمر صعب مستصعب ، وأشكل من القيام بالرسالة المتقدّمة في مجال تسجيل الحوادث وضبط الوقائع ، وما هذا إلاّ لأنّ المؤلّف في هاتيك المجالات ـ إلاّ ما شذّ ـ مشدود إلى نزعات دينية وعقائد قومية ترسّخت في ذهنه ونفسه وروحه ، والفكرة الدينية صحيحة كانت أو باطلة من أحبّ الأشياء عند الإنسان وربما يضحّي في سبيلها بأثمن الأشياء وأغلاها.
هذا من جهة ومن جهة أُخرى : إنّ القيام بهذه المهمة في مجال تاريخ العقائد يتوقّف على تحلّي المؤرّخ بالشجاعة الأدبية والعلمية حتى يتمكّن بهما من البحث الموضوعي حول عقائد الشعوب وعرضها على ما هي عليه ، والقيام بهذا الواجب عند فقدان هذين العاملين مشكل جدّاً ، ومن ثمّ يتحمّل مؤرّخ العقائد مسؤولية جسيمة أمام اللّه أوّلاً ، وأمام وجدانه ثانياً ، وأمام الأجيال القادمة والتاريخ ثالثاً.