بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٠ - المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه
العامل الثالث
المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه
إنّ هنا عاملاً ثالثاً لتكوّّن الفرق ونشوء الفوضى في العقائد والأُصول ، وهو المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عهد المنصور العباسي.
توضيحه : الحديث عبارة عمّا ينسب إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من قول أو فعل أو تقرير نازل منزلة التفسير لمعاني الكتاب الحكيم ، مبيّن لمجمله ، شارح لمعانيه ، كما يعرب عنه قوله سبحانه : ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون ). [١]
أي لا لتقرأ فقط ، بل تبيّن وتشرح ما نزل ، بقولك وفعلك وتقريرك.
إذا كانت السنّة هي في الدرجة الثانية من الدين بعد القرآن الكريم في الحجية والاعتبار ، حتى إنّك لا تجد فيها شيئاً إلاّ وفي القرآن أُصوله وجذوره ، ولا إسهاباً إلاّ وفيه مجمله وعناوينه.
وإذا كان الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يصدر في قوله وكلامه إلاّ بإيحاء من اللّه سبحانه كما يصرح بذلك قوله سبحانه : ( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى* وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى ). [٢]
[١] سورة النحل : الآية ٤٤.
[٢] سورة النجم : الآيات ٢ ـ ٤.