بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤ - بدايات الاختلاف في عصر الرسالة
ومع ذلك كلّه فقد نجمت بين الصحابة والنبي الأعظم مشاجرات ومنازعات بين آونة وأُخرى قد ضبطها التاريخ وأصحاب السير. غير أنّ الشهرستاني يصر على أنّ أكثر الخلافات كان من جانب المنافقين وقال : « إنّ شبهات أُمّته في آخر زمانه ، ناشئة من شبهات خصماء أوّل زمانه من الكفّار والملحدين ، وأكثرها من المنافقين ، وإن خفي علينا ذلك في الأُمم السالفة لتمادي الزمان ، فلم يخف في هذه الأُمّة أنّ شبهاتها نشأت كلّها من شبهات منافقي زمن النبي ، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى ، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى وسألوا عمّا منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه ، وجادلوا بالباطل في ما لا يجوز الجدال فيه ».
ثمّ ذكر الشهرستاني حديث ذي الخويصرة التميمي في تقسيم الغنائم إذ قال : اعدل يا محمد ، فإنّك لم تعدل ، حتى قال عليه الصلاة والسلام : « إن لم أعدل فمن يعدل ». [١]
إنّ ما ذكره الشهرستاني صحيح لا غبار عليه غير أنّ الاعتراض والخلاف لم يكن منحصراً بالكفار وإلمنافقين بل كان هناك رجال من المهاجرين والأنصار ، يعترضون على النبي في بعض الأُمور التي لا تروقهم ، وكأنّ الشهرستاني نسي قصة الحديبية حيث آثر رسول اللّه صلىاللهعليهوآله الصلح يوم الحديبية على الحرب وأمر به ، عملاً بما أوصى اللّه إليه ، وكانت المصلحة في الواقع وفي نفس الأمر توجبه لكنّها خفيت على أصحابه فطفق بعضهم ينكره والآخر يعارضه علانية بكلّ ما لديه من قوة. هذا هو عمر بن الخطاب فإنّه بعد ما تقرر الصلح بين الفريقين على الشروط الخاصة وقد أدركته الحمية ، فأتى أبا بكر وقد استشاط غضباً فقال : يا أبا بكر أليس برسول اللّه ؟ قال : بلى. قال : أو لسنا بالمسلمين؟ قال : بلى. قال : أوليسوا بالمشركين؟قال : بلى. قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ... الحديث. [٢]
وكأنّ الشهرستاني غفل أيضاً عن الجدال الشديد بين النبي وبعض
[١] الملل والنحل : ج ١ص٢١.
[٢] السيرة النبوية لابن هشام : ج٣ص٣١٧.