بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣٢ - خاتمة المطاف
ويقول : إنّ السلف أنفسهم لم يكونوا ينظرون إلى ما يصدر عنهم من أقوال أو أعمال أو تصرفات ، هذه النظرة القدسية الجامدة التي تقتضيهم أن يسمِّروها بمسامير البقاء والخلود ، بل ساروا وراء ذلك مع ما تقتضيه علل الأحكام وسنة التطور في الحياة ، وعوامل التقدم العلمي ، ومنطق التجاوز المستمر من الصالح إلى الأصلح كما سايروا الأعراف المتطورة من عصر إلى آخر ، أو المتبدلة ما بين بلدة وأُخرى ما دام ذلك كلّه منتشراً وراء أسوار النصوص الحاكمة والمهيمنة. [١]
ثمّ أشار إلى نماذج من مواقف السلف التي تطورت مع تطور الأحوال والأوضاع في شتى مجالات العلم والسلوك.
ثمّ قال : إنّ السلف أنفسهم لم يجمدوا عند حرفية أقوال صدرت منهم ، كما لم يتشبّثوا بصور أعمال أو عادات ثبتوا عندها ثمّ لم يتحولوا عنها ، بل الذي رأيناه في هذه النماذج اليسيرة هو نقيض ذلك تماماً ، فكيف نقلّدهم في شيء لم يفعلوه ، بل ساروا في طريق معاكس له ... ؟ [٢]
ثمّ ينتهي إلى القول : إنّ كلّ ما ذكرنا هنا تلخيص إجمالي للبرهان على أنّ السلفية لا تعني على كلّ حال إلاّ مرحلة زمنية مرت ... فإن قصدت بها جماعة إسلامية ذات منهج معين خاص بها ، يتمسّك به من شاء ، ليصبح بذلك منتسباً إليها منضوياً تحت لوائها ، فتلك إذن إحدى البدع المستحدثة بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم. [٣]
ثمّ لإبطال حجّية مواقف السلف على من بعدهم ما لم يستند إلى برهان يشير إلى نماذج من خلافاتهم واختلافاتهم في المواقف والآراء [٤] ثمّ يقول : فلو كانت اتجاهات السلف واجتهاداتهم هذه حجّة لذاتها ، لا تحتاج هي بدورها إلى برهان أو مستند يدعمها ، لأنّها هي برهان نفسها ، إذن لوجب أن تكون تلك
[١] نفس المصدر : ص ١٤ ـ ١٥.
[٢] نفس المصدر : ص ١٨.
[٣] و [٤] نفس المصدر : ص ٢٣.