بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٣ - هل الإيمان بخلافة الخلفاء من صميم الدين؟
عارف ، لأنّه كان منهم أيّام علي عليهالسلام فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر ، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشردهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم.
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة ، وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم ، واكتبوا إلي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته ، ففعلوا ذلك ، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم وإلموالي ، فكثر ذلك في كلّ مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّكتب اسمه وقربه وشفعه ، فلبثوا بذلك حيناً.
ثمّ كتب إلى عماله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّوتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنّ هذا أحب إليّ وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته ، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله.
فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وإلقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن ، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه. [١]
كلّ ذلك يثبت أنّ الإيمان بخلافتهم ولا سيما الثالث منهم ، كان وليد
[١] الشرح الحديدي : ج ١١ص ٤٤ ـ ٤٥ نقله عن كتاب الأحداث لأبي الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني.