منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٧٨ - المعنى
و (الخالق من غير منصبة) يعني أنه خالق للمخلوقات بلا آلات و أدوات فلا يلحقه ضعف و تعب و اعياء و نصب.
و انما (خلق الخلايق ب) نفس (قدرته) الباهرة و مشيّته القاهرة المضمرة بين الكاف و النون، فأمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (و استعبد الأرباب بعزّته) أى طلب العبوديّة من السادات و الملوك بقهره و غلبته (و ساد العظماء بجوده) إذ كلّ عظيم فهو بمقتضا امكانه داخر عند وجوده مفتقر إلى إفاضته وجوده.
(و هو الّذي أسكن الدّنيا خلقه) و بثّ فيها من كلّ دابّة (و بعث إلى الجنّ و الانس رسله) بمقتضى اللّطف و الحكمة و واتر إليهم أنبيائه (ليكشفوا لهم عن غطائها) و يرفعوا عنها سترها و حجابها و يسفروا عن وجهها نقابها (و ليحذروهم) منها و (من ضرّائها) و ليرغبوهم في الاخرة و في سرّائها (و ليضربوا لهم أمثالها).
لأنّ أكثر الأفهام لما كانت قاصرة عن إدراك ماهيّات الأشياء إلّا في موادّ محسوسة جرت عادة اللّه سبحانه و عادة رسله و أنبيائه في تبليغ الأحكام و بيان التكاليف و الكشف عن ماهيّات الأشياء على ضرب الأمثال تقريبا للأفهام حسبما عرفت توضيح ذلك في شرح الفصل الثالث من المختار المأة و الاثنين و السبعين.
و لما كان عمدة الغرض من بعث الرّسل و الأنبياء هو جذب الناس إلى طرف الحقّ، و كان حصول ذلك الغرض موقوفا على التنفير عن الدّنيا و الترغيب إلى الأخرى لا جرم أكثروا لها من الأمثال المنفرة، فشبّهوها في وقاحتها و قباحتها بالعجوز الهتماء الشمطاء، و في سرعة الفناء و الانقضاء بالظلّ الزائل و الضوء الافل، و في حسن صورتها و قبيح باطنها بالحيّة اللّين مسّها و القاتل سمّها إلى غير هذه من الأمثال المضروبة لها في الكتاب العزيز و الأخبار و كلمات الأنبياء و الأولياء الأخيار، و قد مضت جملة من تلك الأمثال في شرح الفصل الثاني من المختار الثاني و الثمانين.
(و ليبصّروهم عيوبها) حتّى يشاهدوا معايبها و يروا معاطبها و يعلموا أنّها و إن كانت يونق منظرها إلّا أنها يوبق مخبرها مع تضمّنها لقرب الزيال و ازف الانتقال و علز القلق و ألم المضض و غصص الجرض.