منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٦ - المعنى
(و) الثاني أنه (لا يقدّر بفهم) أى لا يحدّ بفهم العقول، و المراد به و بسابقه تنزيهه سبحانه عن إدراك العقول و الأوهام لذاته و قصورها عن الوصول إلى حقيقته، و قد مرّ برهان ذلك في شرح الفصل الثاني من الخطبة الأولى و غيره أيضا.
و أقول هنا إنّ الجملة الثّانية يحتمل أن تكون تأكيدا للجملة الأولى، و يحتمل أن تكون تأسيسا.
أما التأسيس فعلى أن يراد بالجملة الاولى عدم إمكان إدراك القوّة الوهميّة له و هى قوّة جسمانيّة للانسان محلّها آخر التجويف الأوسط من الدّماغ من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلّقة بالمحسوسات كشجاعة زيد و سخاوته، و هذه القوّة هي الّتي تحكم في الشاة بأنّ الذئب مهروب عنه و أنّ الولد معطوف عليه، و هى حاكمة على القوى الجسمانية كلّها مستخدمة إياها استخدام العقل للقوى العقليّة، و يراد بالجملة الثانية عدم امكان تقديره و تحديده بالقوّة العقلية.
أمّا عدم إمكان إدراك الأوهام له فلأنّ مدركاتها منحصرة على عالم المحسوسات و الأجسام و الجسمانيات، و اللّه سبحانه متعال عن ذلك.
و أمّا عدم إمكان تحديد العقول فلأنّه[١] لا جزء له و ما لا جزء له لا حدّ له حتّى يمكن تحديده.
و أيضا فهو سبحانه غاية الغايات فليس لذاته حدّ و نهاية حتّى يكون له حدّ معيّن و قدر معلوم يمكن تقديره و تحديده كما لساير الممكنات، قال عزّ من قائل:
وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ^.
و قال أمير المؤمنين ٧ في خطبة له مروية عن التوحيد لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته ذي الأقطار و النواحى المختلفة في طبقاته و كان عزّ و جل الموجود بنفسه لا بأداته انتفى أن يكون قدّروه حقّ قدره فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الانداد و ارتفاعها عن قياس المقدّرين له بالحدود من كفرة العباد: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ^.
[١] و الا لزم التركيب المستلزم للافتقار و هو من صفات الممكن« منه ره»