منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٠٧ - المعنى
و عياله قد بقيت في نفسه حسراتها اقتطع دون أمانيّه فلم ينلها، فيقول له ملك الموت ما لك تجرع غصصك قال: لاضطراب أحوالي و اقتطاعك لي دون آمالي، فيقول له ملك الموت: و هل يحزن عاقل لفقد درهم زائف و اعتياض ألف ألف ضعف الدّنيا؟! فيقول: لا، فيقول ملك الموت: فانظر فوقك، فينظر فيرى درجات الجنان و قصورها التي يقصر دونها الأماني فيقول ملك الموت: تلك منازلك و نعمك و أموالك و أهلك و عيالك و من كان من أهلك ههنا و ذرّيتك صالحا فهم هنالك معك أ فترضى بهم بدلا مما ههنا؟ فيقول: بلى و اللّه، ثمّ يقول: انظر، فينظر فيرى محمّدا و عليّا و الطيّبين من آلهما سلام اللّه عليهم أجمعين في أعلا علّيين فيقول: أو تراهم هؤلاء ساداتك و أئمتك هم هنالك جلاسك و اناسك أ فما ترضى بهم بدلا مما تفارق هنا؟ فيقول: بلى و ربّي فذلك ما قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا فيما أمامكم من الأهوال فقد كفيتموها و لا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراري و العيال فهذا الّذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم، وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ هذه منازلكم و هؤلاء ساداتكم اناسكم و جلاسكم هذا.
و لما تكلّم ٧ بالاية الشريفة المتضمّنة للعدة و الحجّة أمر المخاطبين بالقيام على مفادها و العمل على مقتضاها بقوله (و قد قلتم ربّنا اللّه) و لا بدّ لكم من اكمال هذا الاقرار بالاستقامة لاستحقاق انجاز الوعد و البشارة (فاستقيموا على كتابه) باجلاله و اعظامه و العمل بتكاليفه و أحكامه (و على منهاج أمره) بسلوكه و اتباعه (و على الطريقة الصّالحة من عبادته) باتيانها على وجه الخلوص جامعة لشرائطها المقرّرة و حدودها الموظفة (ثمّ لا تمرقوا) أى لا تخرجوا (منها) و لا تتعدّوا عنها (و لا تبتدعوا فيها) أى لا تحدثوا فيها بدعة (و لا تخالفوا عنها) أى لا تعرضوا عنها يمينا و شمالا مخالفين لها، فانكم إذا أقمتم على ذلك كلّه حصل لكم شرط الاستحقاق فينجز اللّه لكم وعده و تبشّركم الملائكة و تدخلون الجنّة البتّة، و ان لم تقيموا عليه فقدتم الشرط و بفقدانه و انتفائه ينتفي المشروط لا محالة.