منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٧٩ - الفصل الاول في ايقاظ الغافلين و تنبيه الجاهلين من رقدة الغفلة و الجهالة
بالغفلة من المكلّفين أى الّذين غفلوا عمّا اريد منهم من المعارف الحقّة و التكاليف الشرعية و لم يغفل عنهم و عمّا فعلوا، لكون أعمالهم مكتوبة محفوظة في اللّوح المحفوظ و صحائف الأعمال و كلّ ما فعلوه في الزبر و كلّ صغير و كبير مستطر (و التاركون) لما امروا به من الفرائض و الواجبات (المأخوذ منهم) ما اغترّوا به من الأهل و المال و الزخارف و القينات كنايه (ما لى أراكم عن اللّه ذاهبين) كناية عن اعراضهم عن اللّه سبحانه و التفاتهم إلى غيره تعالى (و إلى غيره راغبين) إشارة إلى رغبتهم في زهرة الحياة الدّنيا و إعجابهم بها.
تشبيه (كأنّكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبىّ و مشرب دوىّ) شبّههم بأنعام ذهب بها سائم إلى مرعى و مشرب وصفهما ما ذكر و المراد بالسائم حيوان يسوم و يرعى و هو المستفاد من الشارح المعتزلي حيث قال: شبّههم بالنّعم الّتي تتبع نعما اخرى سائمة أى راعية، و إنما قال ذلك لأنّها إذا تبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الابل الّتى يسميها راعيها، انتهى.
و فسّره الشارح البحراني بالراعى أي الّذي يراعي النعم و يحفظها و يواظب عليها من الرعاية و هو المراعاة و الملاحظة قال: شبّههم بالنّعم الّتي أراح بها راعيها إلى مرعى كثير الوباء و الدّاء، و وجه الشبه أنهم لغفلتهم كالنّعم و نفوسهم الأمّارة القائدة لهم إلى المعاصى كالراعي القائد إلى المرعى الوبىّ و لذات الدّنيا و مشتهياتها و كون تلك اللّذات و المشتهيات محلّ الاثام الّتي هي مظنّة الهلاك الاخروى و الداء الدّوىّ تشبه المرعى الوبيّ و المشرب الدويّ انتهى.
أقول: و هذا أقرب لفظا و ما قاله الشارح المعتزلي أقرب معنى، و ذلك لأنّ لفظ السائم على قول المعتزلي بمعنى الراعى من الرعى و هذا لا غبار عليه من حيث المعنى إلّا أنه يحتاج حينئذ إلى حذف الموصوف أى حيوان سائم و نحوه و هو خلاف الأصل، و أمّا على قول البحراني فلا حاجة إلى الحذف إلّا أنّ كون السائم بمعنى الراعى من الرعاية مما لم يقل به أحد، و كيف كان فالمقصود تشبيههم بأنعام اشتغلت بالماء و الكلاء و غفلت عمّا في باطنهما من السمّ الناقع و دوى الدّاء.