رسائل شيخ اشراق - شيخ اشراق - الصفحة ٢٣٧ - اللمحة الثالثة - في اللذة و الألم
و لمّا كان لذة كلّ قوة على حسب كمالها، فكمال الجوهر العاقل الانتقاش بالوجود- من لدن مسبّب الأسباب إلى أن ينتهي إلى الأخير من العوالم الثلاثة- و الترتيب و النظام و المعاد و غير ذلك؛ و باعتبار تصرّف البدن الهيئة الاستعلائية على البدن لينفعل البدن عنه؛ و «العدالة»: التي عبارة عن الحكمة: و هي توسط القوة العملية فيما يدبّر به الحياة و لا يدبّر؛ و «الشجاعة»: التي هي توسّط الغضبية؛ و «العفة»: التي هي توسط الشهوانية؛ و كمالها- بالجملة- التشبّه بالمبادئ على حسب الطّاقة، حتى تتجرّد عن المادة بالكلية. فمدركاتها من الحق و الجواهر العقلية و ما يليها، أشرف من مدركات المشاعر الأخرى بما لا يتقارب. و مدركاتها أكثر- إذ لا نهاية لمدركاتها دون الحواس- و الزم- إذ هي باقية- و أشد فانّ الحواس مقصورة الإدراك على الظواهر و السطوح. فنسبة لذّتها إلى لذّة الحواسّ كنسبة المدركين و المدركين و الإدراكين.
و عدم الاشتياق إلى الكمال، و التلذذ بالكمال حقّ التلذّذ، إنّما هو لشواغل هيولانيّة و كذا عدم التألّم بالرّذائل. و إذا لم تستكمل النفس بالعلم و العمل فكانت بعد المفارقة كما كانت قبلها من الشوق إلى البدن، إلّا أنّ الشاغل عن الألم ارتفع، فعظم الألم سيّما إذا كان «الجهل مركّبا»: و هو عدم الاعتقاد بالحق و اعتقاد نقيضه- و هذا لا يزول أبدا فتعذّب عذابا ما عذّب به أحد من العالمين. و النفس العالمة الفاسقة يجذبها العلم إلى الملأ الأعلى و الجهل إلى أسفل السافلين، فتعذّب زمانا و ربما يزول.
و قال بعض أهل البصيرة: إنّ البله و الصلحاء المتزهدين المتنزهين تنتقل علاقتهم إلى جرم فلكيّ يرون فيه جميع الصور المطلوبة كما في الحس المشترك، و يتلذذون على حسب المعتقدات لبقاء علاقتهم مع العالم الجرمي.
و نفسي أنا تطمئن إلى هذا فإنّ من لم يتصور له العالم العقلي لا ينقطع له علاقة الجرم. و عندي منه نبأ عظيم أشرنا إلى بعضها في التلويحات[١] متفرّقا.
و أشد مبتهج و متلذّذ هو الحق الأول لأنّه أشد الأشياء إدراكا. هو أعظم مدرك و أعظم مدرك.
[١] التلويحات، ص ٨٢- ٩٤ و خاصة ص ٨٩.