الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٢٨ - خلاصة وفذلكة المقام
النفس؛ فإنّها به تستعدّ لتحصيل الكمالات وتتهيّأ لنيل السعادات.
وإلّا فما دامت تتّبع الهوى والشهوات وتسعى جهدها لنيل اللذائذ الداثرات، من: التأنّق في الملابس والتفوّق في المجالس، والتبصبص كلبيّاً للأطماع والتلصّص ثعلبيّاً في الخداع، والتنعّم في الشراب والطعام واحتكاك الأجسام بالأجسام، إلى غير ذلك من الشهوات البهيمية والرذائل السبعية التي مهما نال الإنسان فيها من وافر الحظّ والنصيب فلا يبلغ منها مقدار شهوة حمار أو كلب أو ذيب! ومهما كان الإنسان على مثل ذلك أحرص وهو إليه أرغب فهو بالبهيمة أشبه وإليها أقرب!
أترى أنّ أحداً من الناس يُدرِك بنفسه ما للسبع من القوّة والقدرة على الافتراس، وأنّ الإنسان وإن بلغ الغاية في الشبق وحبّ الجماع ينال من الشهوة واللذّة ما يناله أقلّ الحمير عند الوقاع! ولولا استقذار ذكرها لشرحت في التفاوت حقيقة أمرها.
والغرض أنّ النفس إذا تُركت وهواها وأُرسلت في طلب ما يلائم قواها فلا ترتج أبداً فلاحها ولا ترتقب صحّتها وصلاحها، ولا تنكسر منها سورة تلك القوى إلّابالرياضة على مخالفة الهوى.
ومثلها في ذلك مثل الحرث لأرض الزراعة، فإنّها وإن كانت- بحسب ذاتها- عذبة طيّبة التربة، ولكنّها لا تنال تلك السهولة والدماثة إلّاإذا خولف وضعها بالحراثة، وبعد الحرث والقلب تصلح للزرع ونثر الحبّ، فتُسيم النظر وتسمو وتمنّ بالثمر وتنمو.
وأرض النفس إذا لم يحرثها العقل بمخالفة الهوى ولم يوجّه سائس العدل ليعدّل منها تلك القوى، لا تثمر ولا تنمو بها بذور الحكمة، ولا تنتفع بما ينزل من