الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٦٨ - فالأول هو التدرب في معارج المعرفة والإيمان
والطيران بجناحي العلم والعمل، وتهذيب النفس بتحلّيها بالفضائل بعد تخلّيها عن الرذائل، حتّى يحصل لها من الصفاء والتجرّد ما تنال به نوعاً من الدلالة ينتهي إلى ما هو أقوى من المشاهدة والمعاينة، حيث ينفتح لقلبه الأسماع والأبصار الباطنة.
وأعني بالعلم هنا: علم الأخلاق وتهذيب النفس، فإنّه من أحسن الطرق إلى تحصيل العلوم والمعارف، فإنّ العبد إذا واظب وألزم نفسه على التخلّق بالأخلاق المأنوسة الكريمة، والتخلّي عن الرذائل الموحشة الذميمة التي يحكم عقله بحسنها بمقتضى الإنسانية وعلى صرف الطبيعة، مع قطع النظر عن كلّ شارع وشريعة، وذلك كالصدق والأمانة والعدل والإنصاف والحياء والعفاف والإحسان والشفقة والرأفة بنوع الإنسان بل سائر مخلوقات اللَّه ذوات الأنفس والأرواح حتّى النبات والحيوان، بل وعظمة جلال اللَّه، ما بُعثت الرسل والأنبياء ولا نزّلت الكتب على أيدي السفراء إلّاليتخلّق الخلق بتلك الأخلاق ولتبرأ من أضدادها الراجعة إلى الظلم والنفاق: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ»[١].
والحكمة هنا هي التي ذكر (سبحانه وتعالى) جملةً منها في سورة الإسراء[٢]، فإنّه (جلّت حكمته)- بعد أن نهى عن الشرك، وأمر بأداء حقوق الوالدين والمسكين وابن السبيل، ونهى عن البخل والتبذير والزنى وقتل النفس والكبر، وحثّ على الوزن بالقسط، وغير ذلك من حميد الخصال وجميل
[١] سورة الجمعة ٦٢: ٢.
[٢] راجع سورة الإسراء ١٧: ٢٢- ٣٨.