الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٢١ - السادس من الأمور في الأفعال الاختيارية ومباديها ومقدماتها ومزلة أقدام الأعلام في هذا المقام ومسألة الجبر والتفويض
فلا حول ولا قوّة إلّابك.
ونحن إذا قايسنا بين ذينك المقالتين بل المضلّتين وجدنا الأُولى- على شناعتها وزيغها- أهون الشرّين وأقلّ الضررين، نجدها أهون على الأُمّة شرّاً أو أقلّ في المجتمع البشري خطراً، نجدها أخفّ رزية وأضعف بلية؛ إذ أيّ بلية أعظم من الاتّكال على القضاء والقدر، والإفساح للنفوس في السباق إلى كلّ شرٍّ وشره، والتقاعد عن كلّ كمال وكرامة، وجعل ذلك في عهدة القضاء، والتعلّل بأنّه ممّا لا محيص للإنسان عنه، وأنّه مجبور عليه، وتهمة ذات العزّة بوصمته وإحالته على عهدة الحقّ (جلّ شأنه) دون عهدته، فينزّه نفسه ويتّهم ربّه؟!
أيّ إنسان يراجع وجدانه ومحكمة عقله وضميره، فيفسح لها العذر- بحجّة القضاء والقدر- في ارتكاب كبيرة أو اجتراح جريرة من قتل نفس بريئة أو اغتصاب مال محترم أو هتك حرمة مقدّسة؟!
الإنسان إذا أطلّ وأشرف على واحدة من تلك الجرائر أيجد وجدانه وضميره يقول له: دونك فارتكبها، فإنّها مقدّرة لك مكتوبة في لوح القضاء عليك، ولا محيص لك عنها، وهو في الحال نفسه يحسّ ببداهة حسّه أنّ فعلها وتركها شرَع لديه سيّان بالنسبة إليه كلاهما في قبضة اقتداره وتحت سلطان اختياره؟!
دع عنك- يا هذا- هذه الخزعبلات والمخرفات والأباطيل والتعلّلات، فإنّ اللَّه (جلّ شأنه) ما جعل القضاء والقدر لتتّخذه ستاراً لسيّئاتك وتمشية لشهواتك وعصىً تتوصّل بها إلى معاصيك وأهوائك، وإنّما جعلهما إظهاراً لعظمته وبياناً لسعة علمه وإحاطته ونفوذ سلطانه وبلاغ قدرته.
ألا تعجب سائلًا من أُولئك المسلمين القائلين: (إنّ للَّهأن يعذّب بلا سبب)[١]: كيف غابت عنهم آيات كتابهم الكريم ونصوصه الصراح ومحكماته
[١] تقدّمت مصادر هذه المسألة فيما سبق.