الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٩٢ - كلام في حق أميرالمؤمنين عليه السلام وعلو مرتبته
الضمائر صيتاً وفخاراً، واستخرجوا من العلوم والصنائع ما ليس لأمره في الزمن الماضي مضارع، ومع ذلك كيف تساهلوا في أمر الدين وتغافلوا عن طلب الحقّ المبين، وبماذا يجيب أهل النَصف منهم إذا احتجّ الإسلام بمثل هذه الآية التي لا تُبارى والحجّة التي لا يستطيعون لها ردّاً ولا إنكاراً؟!
وأعجب من ذلك من قدّم عليها في الإسلام سواها، وعدل بها من لم يقاربها في الفضل فضلًا عن أن يكون قد ساواها! ولكنّك: «لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ»[١].
فنسأله (تعالى) الهداية لنا ولكافّة عباده، والسعي لما يسعف برضاه ومراده. وقد جرّنا استطراد الكلام في المقالة إلى الخروج عمّا هو الغرض بالأصالة، ولكن يشهد اللَّه (تعالى) أنّه ما حدانا على ذلك إلّاحبّ النصيحة والشفقة بأبناء النوع، وأن أُبدي لهم المذهب الحقّ والكلمة الصحيحة، و: «اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ»[٢][٣].
[١] سورة القصص ٢٨: ٥٦.
[٢] سورة القصص ٢٨: ٢٨.
[٣] هذا ويحسن هنا أن أُنبّهك على شيء، وهو: أنّ الإمامية ما انفردوا بما اعتقدوا من وحدة الصفات مع الذات، والردّ والمناكرة لما قالت الأشاعرة، فقد أصاب في ذلك بعض الرشد الفاضل الأندلسي( ابن رشد).
راجع رسالته الموسومة:( بمناهج الأدلّة في عقائد الملّة) المتحلّية بزينة الطبع في القاهرة، حيث قال في باب الصفات ما نصّه:
( فإنّ الأشعرية يقولون: إنّ هذه الصفات هي صفات معنوية، وهي صفات زائدة على الذات، فيقولون: إنّه عالم بعلم زائد على ذاته، وحيٌّ بحياة زائدة كالحال في الشاهد.
ويلزمهم- على هذا- أن يكون الخالق جسماً...) إلى آخر كلامه.
وهو وإن اضطرّه القصور آخر الأمر إلى الجمود عن إصابة الحقّ والفتور، ولكنّه قد أصاب الصواب في التخلّص من تلك الضلالة، ووقوف المرء دون ما يجهل خير من التقحّم على جهالة.
ثمّ لا يخفى عليك أنّ( ابن رشد) قد أفرط في دعوى: أنّ تلك المقالة- أعني: زيادة الصفات- تشبه مقالة النصارى في دعوى الأقانيم وقولهم:( أقانيم ثلاثة، إله واحد).
وللكلام مع أرباب هذه المقالة وبيان تناقضها وتهافتها واستحالتها مقام آخر.
على أنّ جميع ما تقدّم كافٍ في استحالة التركيب ومطلق التعدّد والتجزية والتحليل في ذات الواجب، تثليثاً كان أو تثميناً أو غيرهما.
ولا فرق في ذلك بين الذات والصفات حيث تكون منتزعة من نفس الذات، فتدبّر.( منه رحمه الله).
أقول: قوله:( إنّ الإمامية ما انفردوا بما اعتقدوا...) راجع فيه: نهج الحقّ ٦٤- ٦٥، الحكمة المتعالية ٣: ٣١٢ و ٦: ١٣٣، دلائل الصدق ٢: ٢٦٧.
وقوله:( الفاضل الأندلسي ابن رشد) فهاك ترجمته:
أبو الوليد محمّد بن أحمد بن محمّد بن رشد القرطبي. ولد في قرطبة سنة ٥٢٠ ه، وكان أبوه قاضي قرطبة، فعلّم ابنه مبادئ الفقه والفلسفة، وتدرّج في المراحل العلمية حتّى غدا قاضي قضاة قرطبة ومن العلماء في مجالات الفقه والفلسفة والرياضيات والفلك والطبّ والفيزياء.
ودارت دورة الزمان عليه، فسجن وأُحرقت كتبه، ثمّ عاد من جديد إلى مهامه الأُولى، إلى أن توفّي سنة ٥٩٥ ه.
ألّف ما يزيد على الثمانين كتاباً، وترجمت بعض كتبه إلى العبرية واللاتينية، ومن هذه الكتب: بداية المجتهد، تهافت التهافت، شرح جمهورية أفلاطون، كتاب الكون، الدعاوى، فصل المقال.
( مرآة الجنان ٣: ٣٦٢، شذرات الذهب ٤: ٣٢٠، الأعلام للزركلي ٥: ٣١٨، موسوعة أعلام الفلسفة ١: ٢٢- ٢٨).
وقوله نقلًا عن ابن رشد:( أن يكون الخالق جسماً...) فانظر مناهج الأدلّة ٥٥.