الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٩١ - كلام في حق أميرالمؤمنين عليه السلام وعلو مرتبته
الواضحة والدلالات اللائحة، من تصفّح أحوال تلك الذات الكريمة وكمالاتها الجسيمة، مع عدم رجوعه إلى مؤدّب معلّم، ولا مراجعته لشيءٍ من الكتب حادثة أو قديمة، وما أراك مع هذا كلّه تقول إلّا: أنّ له معلم إلهي وأنّه ينتهي إلى علم غير متناهي، وإلّا فمن أين عرف هذا العربي البحت الناشئ بين أُمّة تعبد الحجارة بعد النحت أنّ الوصف يوجب الحدّية، وأنّ الحدّ ينافي الأحدية، وأنّ العدّ والإثنينية يبطلان القدم والأزلية، إلى غير ذلك ممّا صرفت حكماء اليونان وغيرهم في تحصيله أعمارها، وأتعبت في البحث عنه عقولها وأفكارها، وقضت في تعليمه وتعلّمه والتصنيف فيه ليلها ونهارها، وهو عليه السلام يجيء به على صرف طبعه وترسّله من دون إتعاب فكرته وتأمّله، فكأنّما يُملى عليه فيُمليه، أو يقرأ في كتاب قد أُدرج كلُّ ذلك فيه، أو يلوح له لوح سُطّرت تلك المعارف في مطاويه، لا بل كأنّه يجري من سلسال أو ينحدر من جبال أو يفيض من ينبوع، فتراها- مع أنّها على البديهة والارتجال- في غاية السهولة والاسترسال، على أنّها محكمة البراهين والمعاني جزلة الألفاظ والمباني، تزفّ لك من النفائس عرائس ومن الفرائد خرائد، تملأُك بهجة ونوراً، وتملؤُ لك كأساً تسقيك به شراباً طهوراً، فيها برد الغليل وبرء العليل وشفاء الداء الدخيل.
وعلى العلّات فمن لي بأن أنعت فضلها، إلّاإذا أُعطيت قوّةً مثلها، ولكن ما أظنّك- إذا أعطيتَ الإنصاف حقّه ودقّقت النظر في هذا المقام- إلّامستسلماً في نفسك لحقّية مذهب الإسلام عارفاً بأنّ له سرّاً عظيماً وخطراً كبيراً، فإنّ لكل حقٍّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً.
وإنّي- وحرمة الصدق وكلمته والحقّ وذمّته- لأعجب من أهل الفضل والكمال من علماء اليهود والنصارى ممّن أحرزوا بحرّية الأفكار وصحّة