الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣٧ - الأمر الثالث في البحث عن أصل الأديان
وقد تجلّى هذا الشأن وانكشف الستار عن هذا السرّ، فأصابه جماعة من فلاسفة العصور الأخيرة وكتّابهم الباحثين.
ولو انفسح لنا المقام لأكثرنا من نقل كلماتهم في ذلك، ولكن حسبك ما ذكره الفيلسوف (ماكس مولر) الأميركي الذي استبحر في البحث عن أصل الأديان في كتاب سمّاه: (أصل الدين وارتقاؤه)، سجّل من نصوص الهند القديمة التي هي أبعد الديانات عصراً وأقدمها عهداً وأوّلها في العالم تاريخاً: أنّ الإنسان ما عبد غير الصانع الحقّ على صفته التي لا تحدّ ولا تكتنه، وأمّا ما عبده البشر من الأوثان والأصنام والكائنات الطبيعية من حيوان أو شجر أو نجم أو غير ذلك فإنّما هي من منشِئات خياله، تقاضى إيجادها أو إيجاد الخضوع لها حبّ الإنسان لمشاهدة كلّ ما يشعر به في نفسه ويهجس به في ضميره.
قال: (إنّ هذه الآلهة المجسّمة ليست إلّاتمثيلًا طرأ على الإنسان بعد تلك الفكرة الطبيعية. وبناءً على هذا، فقد ركع آباؤنا وسجدوا أمام اللَّه الحقّ حتّى قبل أن يجسروا على الإشارة إليه باسمه).
نعم، وإنّ هذا الفكر الحصيف[١] والرأي المرير لأجلى من أن يحتاج إلى توسعة في النقل واستعراض للشواهد.
وكان من الحري بادئ الرأي أن نستثني المادّيين والمعطّلين من تلك الكلمة العمومية، وهي قولنا: (ما عبد أحد سوى الأحد، ولا جحد الخالق مخلوق أبداً).
ولكنّا لا نرتاب في اطّرادها وعدم انثلامها حتّى في تلك الشرذمة، فإنّهم
[١] رجل حصيف العقل والرأي: سديده.( جمهرة اللغة ١: ٥٤٠).