الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣٩ - الأمر الثالث في البحث عن أصل الأديان
فأصبحت تلك الحقيقة لا تزداد بمنابذة المناوين والجاحدين لها إلّاتجلّياً ووضوحاً واستنارةً وسطوعاً، فهم منها كالفراش يلقي نفسه على النار ليطفئها، فيحترق بها ويزيدها اشتعالًا.
ما ينبس نابس منهم ببنت شفة من الزيغ والإلحاد إلّاوتهيج العواطف وتثور الأفكار وتجول الأقلام وتنشر الصحف وتمور[١] الأرض موراً بالكتبة من أهل الأديان وفلاسفة الموحّدين من مسلمين ومسيحيّين، ولا تعتم تلك الحقيقة على أثر ذلك أن تعود من الظهور بحيث تكاد- بعد أن تحسّ- تمسّ وغبّ ما تُهجس تُلمس، ويرجع فيها الأمر- حتّى للسذّج والبسطاء- قريب المنال بارزاً من التعقّل والخيال إلى شبه المعاينة والمشاهدة.
على ذا ما مضى من العصور الغابرة والأيّام الخالية، وعليه تمضي الأزمنة الحاضرة والتالية: «سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا»[٢].
وقصاراي من هذا الأمر: أنّي لا أُريد أن أجعل أحد الأدلّة والبراهين إجماع أُمم العالم على التمسّك بالدين والاعتراف بتلك الحقيقة المدبّرة مهما اتّسع نطاقه وتباعدت أطرافه وكان له وجه صحّة وقبول.
كما لا أُريد أن أستدلّ بالأكثرية والغلبة التي لا مجال لها، ولا للإجماع في المعقولات.
لا أُريد أن أتمسّك بكلمات الأنبياء والرسل وقادة الشرائع من صحف (إبراهيم) وتوراة (موسى) وإنجيل (عيسى) وفرقان (محمّد)، ولا ببراهين
[١] مار: تحرّك وجاء وذهب، كما تكفّأ النخلة العيدانة. وقوله( تعالى):« يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً» قالالضحّاك:( تموج موجاً).( صحاح اللغة ٢: ٨٢٠).
[٢] سورة الفتح ٤٨: ٢٣.