الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٠٢ - المقدمة
تجهد بكلّ الأسباب والعوامل وتنصب كلّ الأشراك والحبائل لصيد هذا الطائر القدسي وإزهاق روحه وإطفاء جمرات الغيظ بقطرة دم حياته.
لم تدع سبيل حيلة لذلك إلّاسلكته، ولا ملاك خدعة إلّاامتلكته، ولا قوى مكر إلّااستعملتها، ولا ربوة غدر إلّاافترعتها[١]، ولا مظنّة باب عدوان إلّا قرعتها، ولا سيطرة سلطة إلّاضربتها.
فأقلام تجري، ودعاة تسري، ورسل تبشّر، وكتب تكتب، ورسائل تنشر، وأموال تستميل، وأحوال تحيل ولا تستحيل، إلى كثير من أمثال ذلك من إعمال القوى الروحية والكتائب الدينية والجيوش الملّية.
نعم، وتعضدها مدافع في البرّ، وأساطيل في البحر، وطيّارات في الجوّ، ومدمّرات في كلّ دوٍّ[٢]، إلى وفير من أمثالها في إعمال القوى القهرية والسلطة الملكية ..
وسياسات ومؤتمرات، واتّفاقات واجتماعات، وحلّ وعقود، ونقض وعهود، وبرقشة[٣] وخداع، ولين وزماع[٤]، وتساهل وامتناع، وأثواب تحبّب وابتشاش، وعلى أجسام حقد واغتشاش، وظاهر نصح ووفاق على باطن خدع ونفاق، وإجهار ودٍّ وولاء، يسرّ حسواً في ارتغاء[٥]، إلى ما لا أُحصيه من
[١] افترعتها، أي: علتها وارتفعت عليها.( لسان العرب ١٠: ٢٣٨).
[٢] الدوّ: الفلاة.( القاموس المحيط ٤: ٣٣١).
[٣] البرقشة: شبه تنقيش بألوان شتّى.( لسان العرب ١: ٣٨٤).
[٤] الزماع: الإقدام على الأُمور.( جمهرة اللغة ٢: ٨١٦- ٨١٧).
[٥] الحسو: طعام معروف عند العرب. والارتغاء: شرب الرغوة، وهي زُبد اللبن.( صحاح اللغة ٦: ٢٣١٢ و ٢٣٦٠).
راجع مجمع الأمثال ٢: ٤٩٦.
وهذا مثل يضرب لمن يظهر أمراً ويريد غيره.
وأصله: أنّ الرجل يؤتى باللبن، فيظهر أنّه يريد الرغوة خاصّة ولا يريد غيرها، فيشربها وهو في ذلك ينال من اللبن. هذا ما ذكره الأصمعي.